محطات كثيرة تستوقفنا خلال قراءة كتاب «قصتي.. 50 قصة في خمسين عاماً»، لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، وفيها تتقاطع فصول بناء الذات مع بناء الدولة، ويظل لكل واحدة منها لغتها ورسالتها وحكمتها، ذلك ما نتلمسه خلال مطالعتنا لحكاية «الغليون العربي»، الحاملة لرقم 25 في كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وعبرها يضيء لنا سموه دروب الحنكة السياسية، ويقدم بين ثناياها تعريفاً لـ «لغة السياسيين»، وكيف تُكون أساليب الحكمة.

تفاصيل قصة «الغليون العربي»، شكلت العمود الفقري للحلقة 35 من برنامج «قصتي» الوثائقي، المستلهم من كتاب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، الذي تولى إنتاجه المكتب التنفيذي لسموه.

وعبرها يأخذنا سموه نحو نهاية عقد الستينيات، ليفتح أمامنا بعضاً من أوراق التاريخ، كاشفاً عن لحظات مفصلية شهدتها تلك الفترة، حيث يقول سموه: «كان البريطانيون يستعدون للانسحاب من المنطقة، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في الداخل البريطاني، وكانت التصريحات تشير إلى انسحاب سيتم خلال ثلاث سنوات، إلا أن الإشارات السياسية، كانت تُعبر عن رغبة واضحة لبريطانيا بالاحتفاظ بموطئ قدم لها في هذه المنطقة، التي يبدو أنها ستضم أهم ثروات العالم النفطية، كما أن الأمريكيين والبريطانيين، كانوا ينظرون للمنطقة كملعب سياسي للنفوذ بين دولتيهما وبين الاتحاد السوفييتي».

فراسة

مشاهد الحلقة الوثائقية، التي عرضت على شاشات تلفزيون دبي ومنصاته المتعددة، لم تخرج عن سياق النص الذي صاغه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، واستعاد فيه صورة والده المغفور له، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وما اتسم به من رجاحة العقل، وفراسة المخطط، حيث يصف سموه حال والده إزاء تعدد الإشارات والتصريحات، ويقول: «لم يكن والدي مرتاحاً من هذه الإشارات، فطلب اجتماعاً مع رئيس الوزراء البريطاني، هارولد ويلسون، في عام 1969».

جملة سموه هذه، تمثل بداية الدرس الذي يضيء فيه على الحنكة السياسية، ويقول: «جلست أستمع إليهما وهما يتحدثان عن الكثير من الأمور المهمة»، ويضيف: «عبّرنا جيداً عن رغبتنا في أن نكون سادةَ قراراتنا».

ويواصل سموه وصف أجواء الاجتماع، بقوله: «تناول رئيس الوزراء ويلسون غليونه، وملأه بالقليل من التبغ، بينما كان يفكّر، رأيتُ السعادة في وجه والدي، وهو يشعل غليونه أيضاً، فلا بد أنه رجح قبل ذلك، أن من غير الملائم التدخين، ما دام مضيفه لم يدخّن».

معلومة جميلة

حرص سموه في هذا السياق، على منحنا معلومة جميلة، بأن «الغليون العربي يُعدّ نسخة مصغرة عن نظيره الإنجليزي، ولكن نوعية التبغ التي يستخدمها العرب قوية جدّاً»، تلك المعلومة كانت كفيلة بأن تمهد الطريق لطبيعة النص الذي تلاها، حيث يقول سموه: «انسجم الاثنان، بينما كانا يدخنان، ويتحدثان في أمور المنطقة. أنهى والدي نفخته الأولى من الغليون، ودقه برفق على منفضة السجائر، بينما كان رئيس الوزراء يتأمّل غليون والدي، ثم ابتسم وقال: «شيخ راشد»، فرد عليه والدي: «نعم».

أومأ ويلسون برأسه، ونظر إلى غليونه، وهو يقول: «انظر، غليوني أكبر بكثير من غليونك». ابتسم والدي، ثم نظر إليّ وقال: «قل لويلسون إنني متفق معه بأن غليونه أكبر، ولكن بالرغم من أن غليوني صغير، إلا أن التبغ المستخدَم فيه ثقيل للغاية».

حكمة

عبر هذا الوصف، تطل الحكمة، ونقرأ الحنكة السياسية في تعامل المغفور له، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، مع الموقف، ذلك ما يؤكده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، بقوله: «ابتسم ويلسون وأخذ نفساً عميقاً، عرفت بعدها أن المقصود لم يكن الغليون أبداً، ولكنها لغة السياسيين، كانت رسالة ويلسون تعبر عن حجم بريطانيا العظيم، وكانت رسالة والدي واضحة جداً، لا تستهن بصغر حجمنا، فنحن أقوياء، ولدينا إصرار وقوة، قد لا تكون ظاهرة لكم، ونحن قادرون بقوتنا على حماية أنفسنا».

بحنكته السياسية، وردوده المتأنية، استطاع المغفور له، الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، أن يمد «جسور التفاهم»، وأن يجعل أجواء الاجتماع إيجابية، وبحسب قول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فقد «انتهت المحادثات بشكل إيجابي». وقال: «رجعنا إلى دبي، ونحن نعتقد بأننا استطعنا بناء جسور تفاهم، والتأكيد على وعود الانسحاب في الوقت المحدد، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان بعد هذا الاجتماع، بأقل من عام».

ويواصل: «جرت انتخابات عامة في المملكة المتحدة في 1970، وقد فاز إدوارد هيث بأغلبية ثلاثين مقعداً في مجلس العموم»، ويبين سموه أن هذا «الفوز كان مصدر قلق لنا»، مبرراً هذا القلق لطبيعة «التصريحات التي أدلى بها هيث قبل الانتخابات، حين قال إن بريطانيا قد تبقى في منطقة الخليج، للوفاء بالتزاماتها، ولحماية احتياطي النفط العالمي».

قاعدة ذهبية

ويتابع سموه: «تزايدت حدة التوتر آنذاك، إذ لم نكن لنقبل على الإطلاق، بأي شكل من أشكال، البقاء البريطاني، وقد حرصنا على نقل هذه الرسالة إلى رئيس الوزراء إدوارد هيث، عبر كل القنوات المتاحة، ولم أتنفس الصعداء حتى مارس 1971، حيث تم الأمر رسمياً، وأعلن هيث أن بريطانيا ستنسحب، كما وعدت».

لقد آثر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أن يختتم قصته بقاعدة ذهبية، في أصول الحكم والسياسة، حيث يقول: «للسياسيين لغة دبلوماسية، وللواقع لغة مختلفة، لغة القوة، كان لدينا إصرار على بناء تلك القوة، مهما كلف الثمن، وتلك كانت رسالة والدي، وكانت المسؤولية الكبرى أمامي، أن أبني القوة التي تستطيع بها دولتنا الوليدة، التحدث من خلالها مع بقية دول العالم، نداً بند».