الوطن «بطل» حاضر دوماً في نصوص الغربة

وديع شامخ

الدخول إلى أروقة الكتابة بهدف الارتقاء باللغة ينعش روح الكاتب للمثابرة إلى الأمام، إلى أن يجد بعضهم ذاته أمام درب حياتي وحيد وهو الهجرة!

هنا تكسب هذه الأسئلة مشروعيتها، هل أن هذه الهجرة أثّرت فيه سلباً في الحد من إمكاناته في مواصلة إنتاجه الأدبي؟ أم أنها أثرت فيه إيجابياً على صعيد تغيير مبدأ وخط الكتابة لديه؟ وماذا أعقب هذه المرحلة من تغيرات وكيفيات حضور الوطن في نتاجاتهم؟

«البيان» ناقشت هذه الأسئلة مع مجموعة من الكتّاب العرب في المهجر ورصدت آراءهم في الخصوص.

فضاء حر

يرى وديع شامخ، شاعر وإعلامي عراقي مقيم في أستراليا، أن قضية تواصل الكاتب العربي في الإنتاج بعد هجرته أو تهجيره من وطنه، تعتمد على جديته ومدى إخلاصه لمشروعه الإبداعي، وكذلك صلته باللغة العربية والحقل الثقافي والفكري.

ويجد أنه قد اختلفت تجارب الكتاّب العرب في تواصلهم مع ثقافتهم ولغتهم الأم، فمنهم من هجرها ليتحول إلى الكتابة بلغة أخرى، وغدت صلتهم بلغتهم الأم عبر الترجمة إلى العربية، ومنهم أدباء ومفكرون اندمجوا مع مجتمعاتهم الجديدة مع بقاء مسائل وثيمات الاشتغال عربية، رغم ابتعاد بعضهم عن المحلي والخروج إلى الآفاق العالمية فكراً وموضوعاً.

أما الفئة الثانية بمنظوره فقد التزمت الإنتاج باللغة العربية والتواصل الحي مع حقلي الفكر والثقافة العربيين، كما حافظ المنتمون إلى هذه الفئة، في الوقت ذاته، على علاقتهم بمجتمعاتهم الحاضنة إنسانيا وإبداعياً.

وعن إنتاجه الأدبي يقول: تجربتي هنا ثرية جداً وخصبة، فقد أنتجت 90% من كتبي ال14 في أستراليا.

علاقة

يكتب شاهر خضرة، شاعر وكاتب سوري في ألمانيا، منذ خروجه من سوريا، نصوصاً سردية بعنوان «يوميات لاجئ سوري لشاعر منتهٍ تاريخه»، ويعلل السبب في اتجاهه للسرد بأنه يخشى من تكرار نفسه أو غيره في هذه المرحلة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا يرى نفسه في الشعر الذي يرصد المرحلة كما يفعل الشعر السياسي وشعر المناسبات.

فكتب السرد كنصوص أدبية ترصد حياته كلاجئ مغترب ووحيد. أي يحرص ألا يكتب الشعر إلا عندما يشعر بولادة جديدة، جسدها هذه السنة في ديوان شعري بعنوان «كما لو أني غبار على وجه الماء»، جسّد فيه تعويض اندماجه بالمجتمع الألماني بإقامة علاقة مع الطبيعة الغنية من أنهار وحدائق وشجر وغابات.

مغارات الروح

وترى أمان السيد، كاتبة سورية في أستراليا، أن مفهوم الاغتراب اختلف كثيراً عن عصر أنبت قلائد المَهجر من أدباء، وفنانين رفدوا الحضور الإنساني بإرث باذخ لا يزال تأثيره جارياً حتى اليوم بدليل أننا نستقي منهم هذه الانعكاسات. نستطيع أن نقول إنه اتّسع ليشمل اغتراباً يرافق ذات المبدع أينما يحلّ، فيغدو المحرّض، والباعث على ما يصدّره.

وتقول عن هجرتها الجغرافية: المنافي مغارات الروح، انعكاسات للصّادم، وإغراء للكاتب على الكتابة حقاً، وبما أنّ انفلات الحواجز صار وسماً للعصر، فقد أتاح امتزاجُه، وتعدديتُه الخوضَ في دخائل التفاصيل.. إنه الثراء الحقيقي يرنو إلى المبدع للاصطياد، إنه الاغتراب الجميل ضمن إطارات من الحدود تتهشّم، رويداً، رويداً.

أحمد الكناني، كاتب وناقد عراقي في أستراليا، يرى أن الإجابة عن تساؤل التغير والتبدل في منحى الخط لدى الكاتب في المهجر إذا ما قيس في البلد الأم، هو تساؤل عن مدى تأثير المحيط الجديد في السير التكاملي، وبالتأكيد لا يخلو المكان والمحيط بكل أبعاده عن التأثير في سعة أفق الكاتب في نظرته للأحداث بما يحمله المحيط من اللقاء بأناس مختلفي الثقافة.

الجو العام المنفتح، وسقف الحرية اللامحدود في الطرح، والإمكانات المتاحة للنشر حتى المادية منها حسب وصفه لا تخلو من التأثير، فبدل أن تساير الناشر في سياسة النشر تصبح أنت من تحدد برنامج النشر، والاستقلال المادي هو استقلال سياسي بطبيعة الحال، وفيه خروج عن سلطة وقيود الناشر إلى حرية التعبير فيما يكتب. ويذهب برأيه أن المنحى في الكتابة ليس التغير في خط الكتابة في بلاد المهجر بقدر ما هو سعة في الأفق واللامحدودية في سقف المسموح.

يتصدّر الوطن سلسلة الأولويات التي تعبر عنها ريما محفوض، شاعرة سورية في ألمانيا، من خلال كتاباتها، والابتعاد الجسدي عن بلدها ساهم لديها بلا شك بتضاعف حجم المسؤولية والتعلّق على حدٍّ سواء، حيث لعب الرابط الروحيّ الدور الأكبر بمدّ جسور الحنين والآمال. وبرأيها، فإن للأدب رسالة إنسانيّة وتاريخيّة غير مرتبطة بالمكان بل بالأفكار والقضايا، لذلك نجد العديد من المنتديات التي أسسها الأدباء السوريون هنا للاستمرار بحمل هذا الرسالة وإيصالها للعالم من خلال الكتابة باللغة العربيّة والترجمة للغات ثانية أحياناً.

قد لا تسير العجلة الآن كما يجب بسبب جائحة كورونا في العالم كلّه، لكنّ حسب وصفها فإن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دور البديل الذي لا بأس به في هذه المرحلة. وتضيف: كان وما زال أدب المهجر حجراً أساسياً في الهيكل الثقافي لكلّ حقبة زمنية وهو عمل جماعيّ برأيي لا ينجزه شخص بمفرده.

طباعة Email