أكد الناقد والأكاديمي المغربي الدكتور سعيد بنكراد أن الإسهام العربي في النقد الحديث يرتبط بقدرة النقاد والباحثين على استيعاب المعارف والمناهج النقدية العالمية، وإعادة صياغتها وتوظيفها في سياقاتهم الثقافية والفكرية، مشيراً إلى أن المعرفة النقدية تكتسب خصوصيتها من طريقة التعامل معها وتطوير أدواتها وتطبيقها على النصوص الأدبية.
جاء ذلك خلال جلسة «الإسهامات العربية في النقد الحديث»، ضمن فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، حيث تناول بنكراد التحولات التي شهدتها مناهج قراءة النص الأدبي، والعلاقة بين اللغة والمعنى، ودور القارئ وثقافته في التأويل، وسط نقاشات مع الحضور حول إسهامات النقاد العرب والتجارب النقدية في المنطقة.
وقال بنكراد: «النقد ممارسة معرفية تتجاوز الحدود والهويات الوطنية، وإن امتلاك المعرفة وإعادة إنتاجها داخل البيئة الثقافية يمثلان جانباً أساسياً من الإسهام الفكري. كما أن انتقال الأفكار والنظريات بين الثقافات أسهم في تطور المعرفة الإنسانية». مستشهداً بتفاعل التراث الفكري العربي مع الفلسفة اليونانية، ومؤكداً أهمية استيعاب المعارف وإعادة صياغتها بما يتناسب مع التجربة الثقافية التي تتبناها.
النص الأدبي وتعدد القراءات
وفي حديثه عن تطور المناهج النقدية، قال بنكراد إن قراءة النصوص الأدبية شهدت تحولات انتقلت فيها من الاعتماد على سيرة المؤلف والظروف الاجتماعية والتاريخية المحيطة بالعمل الأدبي، إلى التركيز على بنية النص والعلاقات الداخلية بين مكوناته، باعتبارها مدخلاً لفهم كيفية تشكّل المعنى.
وأضاف أن التعامل مع المناهج والخطاطات التحليلية بوصفها قوالب جاهزة تُفرض على الأعمال الأدبية قد يحجب خصوصية النص، موضحاً أن المعرفة النقدية تساعد الباحث على اكتشاف هذه الخصوصية، وأن تعدد الأدوات والمقاربات يفتح المجال أمام قراءات مختلفة تكشف جوانب جديدة من دلالاته. وتابع أن النص الأدبي يحتفظ بإمكانات واسعة للتأويل، وأن كل قراءة قد تكشف جانباً من معانيه، في ضوء العلاقة بين بنيته اللغوية والمعرفة التي يمتلكها القارئ.
وحول العلاقة بين اللغة والمعنى، أوضح بنكراد أن اللغة تؤدي دوراً محورياً في تشكيل تصور الإنسان للعالم، وأن الكلمات تحمل خبرات اجتماعية وثقافية تتجاوز معانيها المعجمية المباشرة، ما يجعل فهم النص الأدبي مرتبطاً بالذاكرة الثقافية والسياقات التي تتشكل فيها دلالاته.
وفي نقاش حول التجربتين النقديتين المغربية والتونسية، ومدى حضور التنظير والتطبيق في الكتابات النقدية المعاصرة، أشاد بنكراد بالإسهامات الفكرية للنقاد التونسيين، وقال إنه استفاد من إنتاجهم المعرفي، مشيراً إلى حضور الاهتمام بالنظريات النقدية وتطبيقاتها على النصوص الأدبية في تجربتهم.
وقدمت الجلسة، التي أقيمت ضمن البرنامج الثقافي لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، مساحة للحوار حول تطور الفكر النقدي العربي وتفاعله مع النظريات العالمية، وأهمية توظيف المعرفة النقدية في قراءة الأعمال الأدبية وفهم ما تحمله من أبعاد لغوية وثقافية وإنسانية.


