نظمت هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» «الورشة العلمية حول المشهد الثقافي في سهيلة – حتّا» بهدف تعزيز المعرفة بتاريخ منطقة حتّا وقيمتها الأثرية، ومناقشة نتائج الدراسات والتنقيبات الحديثة، والاطلاع على أفضل الممارسات العالمية في حماية المواقع الأثرية وإدارتها وتوثيقها. ويأتي ذلك في إطار جهود الهيئة الرامية إلى توسيع آفاق التعاون مع الخبراء والمؤسسات الأكاديمية الدولية، وإبراز أهمية مواقع دبي الأثرية والتاريخية، وهو ما يتناغم مع أولوياتها القطاعية الهادفة إلى تعزيز حضور الإمارة على خريطة التراث العالمي.
وتشكل الورشة، التي تعقد يومي 27 و28 أكتوبر الجاري في حتّا، منصة لتبادل المعارف والخبرات العلمية، ومناقشة الخصائص التاريخية والبيئية للمشهد الثقافي في «موقع سهيلة الأثري»، والاطلاع على نتائج أعمال المسح والتنقيب الأثري فيه، واستكشاف سبل تطوير برنامج بحثي متكامل يسهم في فهم أنماط الاستقرار البشري وعلاقة السكان بالبيئة المحيطة. كما تسعى الهيئة من خلال الورشة إلى وضع تصور علمي يبرز خصوصية الموقع وقيمته الحضارية، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات البحثية والجهات الحكومية والمجتمع المحلي، وربط نتائج الدراسات بمتطلبات حماية «موقع سهيلة الأثري» وإدارته، وتحديد أولويات العمل خلال المرحلة المقبلة.
ويشهد برنامج الورشة، الذي سيعقد بمشاركة نخبة من علماء الآثار والباحثين والمتخصصين في إدارة التراث الثقافي، كلمة افتتاحية تلقيها الدكتورة فاطمة علي المعمري، مدير إدارة التراث الثقافي في وزارة الثقافة، إلى جانب سلسلة من ورش العمل والجلسات والعروض العلمية المتخصصة التي تسلط الضوء على المشهد الأثري في دبي وحتّا، وتاريخ الاستقرار البشري في المنطقة وعلاقته بالبيئة الجبلية والموارد الطبيعية، ومن أبرزها جلسة «نظرة عامة على المواقع الأثرية في إمارة دبي»، التي يستعرض فيها الدكتور منصور بريك، خبير الآثار في «دبي للثقافة»، أبرز ملامح تراث الإمارة الأثري، فيما يقدم حسن زين، أخصائي آثار رئيسي في الهيئة، عرضاً بعنوان «المواقع الأثرية في حتّا: التركيز على المشهد الثقافي لسهيلة – حتّا»، يتناول فيه خصوصية الموقع ومكوناته التراثية. وتناقش عفراء محمود محمد، مسؤول أول للحياة الفطرية في هيئة دبي للبيئة والتغير المناخي، الخلفية البيئية لمنطقة حتّا الجبلية، وعلاقتها بتطور أنماط الحياة والنشاط البشري.
ويتضمن البرنامج أيضاً مشاركة أيريني بيزفيلد، أمينة الآثار في متحف درنتس بهولندا، التي تقدم ورقة بعنوان «ما قبل النفط: سهلات وقرى أواخر العصر الإسلامي في الجزء العلوي من فلج المعترض، شمال سلطنة عُمان»، فيما يتناول سيث بريستمان، الباحث في جامعة شيكاغو، خلال جلسة «بين المحيط الهندي والخليج: الفخار من واحة حتّا في إمارة دبي»، دلالات المكتشفات الفخارية على العلاقات التجارية والتواصل الحضاري بين المجتمعات القديمة. وتتناول ديتا أوزينيا، الباحثة في كلية الآثار بجامعة لايدن، دور التقنيات الحديثة في تحليل توزيع التجمعات السكنية وأنظمة إدارة الموارد المائية، من خلال عرض بعنوان «توظيف نظم المعلومات الجغرافية لدراسة تنظيم الاستيطان وإدارة المياه في الفترة الإسلامية في جبال حتّا»، بينما تسلط زوزانا فيغنانسكا، من الأكاديمية البولندية للعلوم، الضوء على أحدث نتائج أعمال المسح والتنقيب في الموقع، خلال عرض «التحقيقات الأثرية في سهيلة: نتائج المسح والتنقيب الأخير».
ويستعرض البرنامج أيضاً تجارب دولية في تحديد القيمة العالمية الاستثنائية للمواقع الأثرية وإدارتها، حيث يسلط جيريمي شيتيكات، مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، الضوء على تجربة موقع الفاو في المملكة العربية السعودية، خلال جلسة «من المعرفة المتفرقة إلى رؤية متكاملة: تحديد القيمة العالمية الاستثنائية»، فيما يتناول السيد عبدالرحمن النعيمي، رئيس قسم إدارة مواقع التراث العالمي في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، خلال جلسة «من الإدراج على قائمة التراث العالمي إلى إدارة الموقع: تجربة المواقع الثقافية في مدينة العين»، الخبرات المكتسبة في حماية المواقع الأثرية وإدارتها.
وتشارك ساداقات داوودوفا، نائب رئيس مركز إدارة المحميات في وكالة السياحة الحكومية بأذربيجان، في جلسة تستعرض «المشهد الثقافي لشعب خيناليغ ومسار الترحال»، بينما يناقش مارتن برايس، المدير التنفيذي لشركة (Insuco)، أفضل الممارسات في إشراك أصحاب المصلحة، مستعرضاً تجارب من المملكة العربية السعودية وأوزبكستان.
كما يتضمن البرنامج جلسات علمية متخصصة تناقش خطط تطوير وحماية المشهد الثقافي في سهيلة – حتّا وإدارته، بمشاركة المهندس بدر محمد آل علي، مدير إدارة الآثار في «دبي للثقافة»، وفرانسوا كريستوفولي وسيمون ريكا من مؤسسة (RC Heritage). ومن المتوقع أن تسهم مخرجات هذه الجلسات في وضع إطار أولي لإدارة المشهد الثقافي في سهيلة – حتّا، وتحديد أدوار الجهات المعنية وآليات التنسيق بينها، ورسم أولويات البحث والحماية خلال المرحلة المقبلة، بما يعزز تكامل الجهود العلمية والمؤسسية والمجتمعية للحفاظ على الموقع وقيمته الثقافية.
وأشارت منى فيصل القرق، المدير التنفيذي لقطاع المتاحف والتراث في «دبي للثقافة»، إلى أن حماية المواقع الأثرية تشكل جزءاً أساسياً من جهود دبي للحفاظ على هويتها وصون إرثها الثقافي، مؤكدة أهمية البحث العلمي في توثيق تاريخ الإمارة وإبراز ملامحه الحضارية. وقالت: «يمثل المشهد الثقافي في سهيلة – حتّا جزءاً مهماً من ذاكرة دبي الحضارية، ويعكس قوة العلاقة بين الإنسان الإماراتي وأرضه، وقدرته على التكيف مع بيئته واستثمار مواردها عبر مراحل تاريخية مختلفة.
ونسعى من خلال هذا البرنامج إلى تعزيز التعاون العلمي والمؤسسي، وتبادل الخبرات التي تسهم في إثراء معرفتنا بالموقع، ووضع تصور متكامل لصونه وإبراز قيمته التاريخية والإنسانية»، لافتة إلى حرص الهيئة على ترسيخ حضور مواقع دبي الأثرية في الوعي المجتمعي، وتعريف الأجيال القادمة بقيمتها وما تحمله من شواهد على حياة المجتمعات التي عاشت في المنطقة.
من جانبه، لفت المهندس بدر محمد آل علي إلى أن الورشة العلمية تمثل منصة مهمة لتبادل الخبرات المتخصصة ومناقشة نتائج الأبحاث الأثرية المرتبطة بالمشهد الثقافي في سهيلة – حتّا، وتحديد الأولويات البحثية وخطوات استكمال دراسة الموقع وتوثيق معالمه، وقال: «تسلط الدراسات المرتبطة بموقع سهيلة الأثري الضوء على جوانب مهمة من تاريخ الاستقرار البشري في حتّا، وأساليب التكيف مع طبيعتها الجبلية وإدارة مواردها المائية والزراعية، وتسعى «دبي للثقافة» من خلال أعمال التنقيب والمسح الأثري إلى بناء قاعدة معرفية تسهم في تتبع تطوره التاريخي وتوثيق خصائصه العمرانية والبيئية، وتحديد متطلبات حمايته وإدارته»، مؤكداً أهمية التعاون مع الجامعات والمعاهد المتخصصة في إثراء الدراسات الأثرية والارتقاء بمنهجياتها، والاستفادة من التجارب الدولية لرسم أولويات العمل خلال المرحلة المقبلة.
يذكر أن الهيئة تنظم خلال البرنامج مجموعة من الزيارات الميدانية إلى موقعي «سهيلة 1» و«سهيلة 3»، وفلج حتّا، ما يتيح للمشاركين فرصة استكشاف المعالم الأثرية والتعرّف إلى الخصائص التاريخية والبيئية للمنطقة.



