قبل أن يصل الكتاب الأول إلى المطبعة يواجه الناشر الجديد عشرات القرارات التي يمكن أن تحدد مستقبل مشروعه بالكامل. ومن هنا يبدأ مسار «إطلاق» الذي تنظمه هيئة الشارقة للكتاب ضمن صندوق الشارقة لاستدامة النشر «انشر»، بمشاركة 25 منتسباً في دورته لعام 2026، ليضع أمامهم الأسئلة التي تسبق دخول سوق النشر، ويمنحهم الأدوات والخبرات اللازمة لتحويل فكرة تأسيس دار نشر إلى مشروع واضح، قابل للتنفيذ والاستمرار.
وانطلقت فعاليات المسار في مقر الهيئة، ضمن برنامج تدريبي لا يتعامل مع النشر بوصفه عملية تنتهي بخروج الكتاب من المطبعة، بل باعتباره سلسلة مترابطة من القرارات التحريرية والإنتاجية والتجارية، تبدأ من هوية الدار وما تريد أن تقدمه، ولا تنتهي عند وصول الكتاب إلى القارئ.
وتوضح إيمان بن شيبة، مدير إدارة المبادرات الاستراتيجية والأسواق العالمية في هيئة الشارقة للكتاب، أن تأسيس دار نشر ناجحة لا يبدأ بطباعة أول كتاب، وإنما بفهم القرارات التي ستحدد مسار المشروع منذ البداية.
وقالت: «نركز من خلال هذا البرنامج على سد الفجوات المعرفية، عبر استقطاب المتخصصين لتدريب المشاركين وإرشادهم»، موضحة أن المعرفة المبكرة بهذه الجوانب تساعد الناشر الجديد على تجنب أخطاء قد تكون مكلفة، واتخاذ قرارات أكثر دقة قبل أن تتحول الأفكار إلى التزامات مالية ونتائج فعلية في السوق.
النشر ليس طباعة كتاب
وترى بن شيبة أن أول ما يحتاج إليه الراغب في تأسيس مشاريع في قطاع النشر هو تكوين صورة دقيقة عن مهنة النشر نفسها وموقع الناشر في رحلة الكتاب، خصوصاً مع وجود تصورات تختزل العملية في جانب واحد منها.
وقالت: «قد يعتقد البعض أن الطباعة هي النشر أو أن الكتابة هي النشر»، موضحة أن التدريب يبدأ بأساسيات الصناعة ومؤسساتها ونماذج العمل فيها، ثم يتتبع المراحل التي يمر بها الكتاب من اختياره وتحريره وإنتاجه إلى وصوله للقارئ والمشاركة به في المعارض.
ويأخذ البرنامج في الاعتبار أيضاً خصوصية السوق الذي يعمل فيه الناشر، إذ تختلف الإجراءات وبيئات العمل من دولة إلى أخرى، ولذلك يتعرف المشاركون إلى متطلبات ممارسة النشر في دولة الإمارات العربية المتحدة والجهات التي سيتعامل معها المشروع خلال مراحل عمله المختلفة.
ومن فهم الصناعة ينتقل المشاركون إلى سؤال أكثر ارتباطاً بمشاريعهم: ما نوع دار النشر التي يريد كل منهم بناءها؟
وأوضحت بن شيبة أن المسار يعرّف المشاركين إلى نماذج مختلفة للعمل في القطاع، سواء في الأدب أو الترجمة أو الكتب المعرفية أو المحتوى الرقمي، ويساعدهم على تحديد توجه الدار وهويتها والجمهور الذي تستهدفه، بدلاً من الدخول إلى السوق بأفكار متعددة لا يجمعها مسار واضح.
وقالت: «نساعدهم على التركيز على فكرة واضحة، وجمهور واضح، وكتب واضحة»، مشيرة إلى أن تنوع خبرات المدربين والمشرفين يتيح للمشاركين مناقشة متطلبات مجالات نشر مختلفة، وربط الاختيار التحريري بما يتطلبه كل مشروع من إنتاج وتسويق ووصول إلى السوق.
قرارات لها كلفة
ولا يقف التدريب عند الجانب التحريري؛ إذ ينتقل إلى القرارات التي ستتحول مباشرة إلى تكاليف على المشروع، وفي مقدمتها الطباعة والإنتاج وإدارة الميزانية.
ويتدرب المشاركون على تحديد مواصفات الكتاب واختيار الورق وطريقة الطباعة المناسبة والتعامل مع المطابع، بما يساعد الناشر الجديد على فهم العناصر التي تدخل في تكلفة الإصدار قبل اتخاذ قراره.
وقالت بن شيبة إن المشاركين يتعلمون «كيفية اختيار الورق ونوع الطباعة، سواء كانت مطبوعة أو رقمية، وكيفية التعامل مع المطابع وبدء الحوار معها لطباعة كتبهم».
وتكتسب هذه التفاصيل أهميتها، بحسب طبيعة المسار، من ارتباطها بقرارات حقيقية سيواجهها صاحب المشروع عند الانتقال من الفكرة إلى إنتاج أول إصداراته، حيث يرتبط كل اختيار بحجم الميزانية وطبيعة الكتاب والجمهور المستهدف.
وتتجمع هذه المراحل في نهاية المسار حول نتيجة عملية واحدة: أن يستطيع الناشر المستجد بناء تصور قابل للتنفيذ لعامه الأول، بدلاً من الاكتفاء بفكرة عامة لتأسيس دار نشر.
وتوضح بن شيبة أن المشاركين يعرضون مشاريعهم أمام اللجنة من خلال خطة متكاملة للعام الأول، تبدأ بتحديد الهوية الأدبية للدار ونوعية وعناوين الكتب التي تعتزم نشرها، ثم تعريف الجمهور المستهدف إلى جانب وضع خطة للإصدارات، وصولاً إلى تحديد وسائل التسويق وقنوات التوزيع التي ستعتمد عليها لإيصال الكتب إلى قرائها. ويجمع هذا العرض ما اكتسبه المشاركون من معارف في خطوات عملية لتأسيس مشروعاتهم والانطلاق بها.



