ريم نصّور: تنوع دبي مصدر إلهام للعمارة والتصميم


في ظل النمو العمراني المتسارع الذي تشهده دبي، ترى المهندسة المعمارية ريم نصّور، صاحبة مشروع «ثلاث حدائق وغرفة» الفائز بجائزة الأشغال المدنية، الذي يقدم حديقة مؤقتة وسط مساحة حضرية يغلب عليها الزجاج والخرسانة، أن للفضاء العام دوراً في تقديم تجربة مختلفة عن إيقاع المدينة اليومي، قائلة: «لطالما انجذب الإنسان بالفطرة إلى المأوى والظل، وربما كان أول مكان وجد فيه كليهما هو تحت شجرة.

ونرى هذا بوضوح في دبي؛ فحيثما يوجد ظل، يتجمع الناس بشكل طبيعي. في مدينة تعتمد بشكل كبير على السيارات، ويتنقل فيها الناس باستمرار بين مساحات مكيّفة، يمكن للفضاء العام أن يقدم حالة مغايرة؛ لحظة للتوقف، واللقاء، والشعور بالانتماء. وفي سياق تهيمن عليه صلابة الخرسانة والزجاج والأسطح المصنّعة، يمكن لفضاءاتنا العامة أن تقدم شيئاً أكثر ليونة ومرحاً، وربما حتى مزيداً من الألوان. يخلق مشروع «ثلاث حدائق وغرفة» هذا النوع من المساحات؛ من خلال سلسلة من التجارب المكانية المترابطة، مكاناً نبطئ فيه إيقاعنا، ونجتمع تحت شجرة، أو ببساطة نكون فيه. كما أن طبيعة المشروع ومواده ملموسة وحيّة، نسمح لها بأن تتأثر بالزمن، وأن تتغير وتتطور. ومع استمرار نمو دبي، أعتقد أننا بحاجة إلى المزيد من هذه المساحات المشتركة؛ فضاءات أكثر ليونة وفضولاً، وأقل تقييداً في طريقة استخدامها».


وتشير إلى دور العمارة في خلق فضاء عام قادر على استيعاب هذا التنوع في دبي بشكل أكبر، موضحة: «أعتقد أن تنوع دبي هو أحد أكثر مصادر الإلهام وأكثر الظروف إثارة للاهتمام عند التصميم، لأنه لا توجد بالضرورة طريقة واحدة لاستخدام الفضاء العام أو فهمه. يمكن للعمارة أن تستجيب لذلك من خلال تهيئة الظروف بدلاً من فرض السلوك؛ أن تتيح للناس أن يجتمعوا، أو ينسحبوا قليلاً، أو يراقبوا، أو يتفاعلوا، أو ببساطة يعبروا المكان بطريقتهم الخاصة.

وقد يكمن جزء من الشمولية في ترك المجال مفتوحاً للتفسير، بدلاً من تحديد كيفية استخدامه بشكل مسبق. نحن ننظر إلى العمارة باعتبارها حواراً، وليست موقفاً جامداً. فبمجرد أن يسكن الناس المكان، يبدأون في إعادة تفسيره وصناعة قصصهم الخاصة داخله. وفي مدينة بهذا التنوع الثقافي، أعتقد أن إتاحة المجال لهذا التعدد أمر بالغ الأهمية».


وتتأثر رؤيتها المعمارية أيضاً بطبيعة مناخ دبي، إذ تقول: «أعتقد أنه يجب ألا ننظر إلى المناخ باعتباره تحدياً، بل باعتباره إحدى مواد العمارة نفسها. العيش والعمل في دبي يجعلنا أكثر وعياً بالتحولات المناخية؛ كتجربة الانتقال من شمس شديدة إلى ظل عميق. وهذا يدفعنا إلى الانتباه إلى ما أثبت فعاليته هنا دائماً؛ الأفنية، والمشربيات والشاشات، والنبات، والعتبات، إلى جانب التفكير في كيفية تقادم المواد وتأثرها بالزمن، وما يمكن إنتاجه محلياً، وإعادة استخدامه أو منحه حياة جديدة. في «ثلاث حدائق وغرفة»، لا يشكل الظل والنبات والضوء والحرارة اعتبارات بيئية ثانوية، بل تصبح جزءاً من العمارة نفسها، وتصنع انتقالات بين الانكشاف والحماية، وبين الضوء والظل، وبين الحرارة والراحة.

وهذه الأفكار ليست جديدة؛ فالمناخ لطالما شكّل عمارة هذه المنطقة. وربما يمكن لهوية دبي المعمارية المعاصرة أن تنشأ من الاستمرار في التعلم من هذه الظروف، لا من خلال شكل أو جمالية محددة، بل من خلال عمارة تنتمي إلى مكانها ومواردها ومناخها».
وعن الأثر الذي يمكن أن يتركه مشروع «ثلاث حدائق وغرفة» في الجمهور والمدينة، رغم طبيعته المؤقتة، تضيف ريم نصّور: «ما يثير اهتمامي في فكرة المؤقت هو أن الشيء لا يحتاج إلى أن يبقى مادياً حتى يكون له أثر دائم. صُممت «ثلاث حدائق وغرفة» منذ البداية كعمارة مؤقتة، ولكن ليس كعمارة قابلة للاستهلاك والتخلص منها. ولعل الأشجار هي أوضح تعبير عن هذه الفكرة؛ فلها حياة سبقت المشروع، ثم أصبحت جزءاً من عمارته لفترة من الزمن، وبعد انتهائه ستنتقل لتواصل نموها في أماكن أخرى من المدينة.


لكن الاستمرارية يمكن أن توجد أيضاً في الذاكرة. فالعمارة المؤقتة قد تغير الطريقة التي نختبر بها مكاناً مألوفاً، أو تخلق لقاءات بين الناس، أو تفتح المجال لتخيل إمكانات مختلفة للفضاء العام. لذلك، ربما لا يكمن إرث المشروع في العمارة نفسها، بل في الأشجار التي تواصل نموها، والحوارات التي تستمر بعدها، وذكرى أننا اختبرنا المدينة بطريقة مختلفة، ولو للحظة».