لا يقتصر مفهوم المعلم على من يقف أمام السبورة داخل الفصل الدراسي، ففي كل مرحلة من حياة الإنسان يظهر معلم يضيف إلينا معرفة أو خبرة أو قيمة أو تجربة جديدة. وهكذا فإن رحلة التعلم تبدأ من المنزل، وتمتد إلى المدرسة والجامعة، ولا تتوقف حتى مع دخول الحياة المهنية، ففي كل ميدان وحقل نخوض غمار العطاء نصادف معلماً ملهماً وقدوة، وبالطبع، تبدو حكايات إلهام المعلم وتأثيراته أشوق وأعمق تأثيراً في مضامير الإبداع والفنون والآداب.
لا شك أن لاستذكار أهمية المعلم وقيمته في حيواتنا، كبير الدور في تعزيز قيمة وأهمية هذه القامة المجتمعية المهمة، ذلك خاصة في هذي الأيام، بينما تحتفي دولة الإمارات بيوم المعلم العالمي الذي يوافق الخامس من أكتوبر من كل عام، حيث تسلط الفعاليات الضوء على قيمة التعليم ودور المعلم في بناء الأجيال، وتستحضر في الوقت ذاته أثر كل من أسهم في تعليم الإنسان وتوجيهه خلال مراحل حياته المختلفة.
أولى المحطات
هناك محطات ومراحل متواصلة في حياتنا نختبر معها معاني التعلم والمعلم، تراكم في نهاية المطاف حصيلة ذكريات وخبرات مقرونة بجميل الذكريات وأثر ما يتركه كل معلم. وفي السياق، تشكل الأسرة البيئة التعليمية الأولى للإنسان، ولا يقتصر هذا الدور على الوالدين فقط، إذ يمكن أن يكون الجد أو الجدة، والأخ أو الأخت، وغيرهم من أفراد العائلة، جزءاً من عملية التعلم اليومية، من خلال ما ينقلونه من قيم وعادات وتقاليد وتجارب تتوارثها الأجيال.
ويتعلم الطفل في محيطه الأسري قبل أن يعرف المدرسة، فيكتسب من الأشخاص المحيطين به طريقة الحديث والتعامل مع الآخرين واحترام الكبير وتحمل المسؤولية، إلى جانب الكثير من التفاصيل التي تسهم تدريجياً في تشكيل شخصيته.
ومع دخوله المدرسة، يبدأ دور مختلف للمعلم، لا يقتصر على تقديم المعرفة والمناهج الدراسية، بل يمتد إلى اكتشاف قدرات الطالب وتشجيعه على تطويرها، وتعليمه مهارات تساعده على التعامل مع مراحل حياته المقبلة.
مرحلة الجامعة
وفي الجامعة يتغير شكل العلاقة مع المعلم، إذ لا يقتصر دور الأستاذ الجامعي على شرح المادة العلمية، وإنما يمتد إلى توسيع مدارك الطالب وتشجيعه على البحث والنقاش والتفكير بصورة مستقلة، إلى جانب مساعدته على اكتشاف المجال الذي يرغب في بناء مستقبله المهني فيه.
وتحمل المرحلة الجامعية تجارب تعليمية تتجاوز قاعات المحاضرات، إذ يتعلم الطالب أيضاً من زملائه، ومن العمل الجماعي والمشروعات والتدريب والأنشطة المختلفة، لتصبح الجامعة مساحة لاكتساب المعرفة والخبرة في الوقت نفسه، ومرحلة تسهم في الانتقال من الحياة الدراسية إلى الحياة المهنية.
دروس مستمرة
ولا تتوقف رحلة التعلم بعد التخرج، فمع دخول بيئة العمل يظهر معلمون جدد قد يكونون مديراً أو زميلاً أو شخصاً أكثر خبرة، وقد يكون الموقف نفسه درساً يضيف إلى الإنسان معرفة لم يتعلمها في الكتب. فالتجارب قد تكون أحياناً خير معلّم في الحياة.
وهكذا تتغير صورة المعلم مع تغير مراحل العمر؛ فقد يكون أحد أفراد الأسرة في البداية، ثم معلماً في المدرسة، وأستاذاً أو زميلاً في الجامعة، وشخصاً نلتقي به في العمل، فيما يبقى أثر كل منهم جزءاً من رحلة طويلة تؤكد أن الإنسان يظل يتعلم طوال حياته، وأن بعض أهم الدروس قد تأتي ممن لم يحملوا يوماً لقب «معلم».
الأديبة الإماراتية، عائشة سلطان، صاحبة تجربة شخصية في الصدد، وتقول عن جماليات وقيمة هذي الثنائية، في تصريح خاص لـ«البيان»: هناك ثلاثة أمثلة في عالم الإبداع الأدبي، تنضوي في هذا الإطار: «غسان كنفاني صاحب القصص والروايات الشهيرة، وج. ك. رولينغ، مؤلفة سلسلة «هاري بوتر»، ووليام غولدنغ مؤلف رواية «سيد الذباب». إن جميع هؤلاء بدؤوا حياتهم معلمين ثم انطلقوا بقوة وثقة في عالم الأدب وحققوا نجاحات باهرة وشهرة عظيمة، وبلا شك فإن الموهبة الفطرية كانت الركيزة الأساسية لما وصلوا إليه، لكن عالم الطلاب والفصول والعلاقات وتوجهات القيم، كله شكل قيمة مضافة وخبرة ومنظوراً أغنى خيال هؤلاء وجعلهم أقرب لفهم السيكولوجية والعلاقات الإنسانية».
وتابعت: «من تجربة شخصية عشتها، أستطيع التأكيد على أنه حين يأتي الأديب من خلفية تعليمية أو تربوية، كأن يكون معلّماً قبل أن يتفرّغ للكتابة، فإنه يحمل معه خبرة في مراقبة الإنسان وهو يتعلّم ويخطئ ويخاف ويتغيّر. فالصفّ الدراسي مجتمع صغير، تظهر فيه الفوارق الاجتماعية، وسلطة الكبار، وأسئلة الطفولة، والحاجة إلى الانتماء والجماعة والشعور بالقيمة، وهذه كلها مادة خصبة للأدب».
وأضافت: يتكلم ويليام غولدنغ في رواية "سيد الذباب" عن صبية يجدون أنفسهم وحدهم على جزيرة، ويحاولون تنظيم حياتهم، ثم يدخلون في صراعات وعنف له أسبابه. إن معرفة الكاتب بعالم التلاميذ شكلت رافداً لفهمه سلوك الجماعة والخوف والسلطة. مع ذلك، لا بد أن نكون حذرين ونحن نربط كل أفكار هؤلاء بماضيهم كمعلمين، لكن التعميم شكل رافداً قيمياً ومختبراً مهماً للتجربة الإنسانية.


