على مدى سنوات نجح «تحدي القراءة العربي» الذي أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في تحويل القراءة إلى تجربة جماعية تجمع الطلاب والمدارس والأسر حول الكتاب، وسط أجواء من الحماس والمنافسة. لكن قيمة أي مبادرة لا تُختبر في لحظة التتويج، بل في قدرتها على ترك أثر يستمر بعد انتهاء المنافسة، فماذا يبقى من «تحدي القراءة العربي» بعد أن تنتهي المنافسة، وتُطوى صفحات التقييم، وتُعلن أسماء الفائزين؟ سؤال يبدو للوهلة الأولى خارج حسابات الأرقام، لكنه ربما يكون السؤال الأكثر أهمية بعد سنوات من إطلاق المبادرة: هل نجح التحدي في صناعة قارئ، أم أنه نجح فقط في صناعة متسابق؟
يؤكد تربويون ومثقفون أن القيمة الحقيقية لأي مشروع يراهن على القراءة لا تتوقف عند عدد المشاركين أو الكتب التي أُنجزت خلال موسم المنافسة، وإنما تظهر في الأثر الذي يتركه في حياة الطفل: هل يواصل القراءة بعدما تنتهي المسابقة؟ هل أصبح الكتاب رفيقاً يومياً لا مهمة مؤقتة؟ وهل انعكس ما قرأه على لغته وطريقة تفكيره وقدرته على الحوار والتعبير وثقته بنفسه؟
صناعة شخصية القارئ
من هنا تبدو تجربة «تحدي القراءة العربي» جديرة بالنظر إليها من زاوية تتجاوز المنافسة والجوائز؛ زاوية صناعة شخصية القارئ. فالطفل الذي يقرأ، ثم يلخص، ويناقش، ويعرض أفكاره أمام الآخرين، لا يجمع معلومات فحسب، وإنما يخوض تجربة تعزز لديه مهارات التفكير والتعبير والاستيعاب، وتمنحه شعوراً بالإنجاز والقدرة على المشاركة.
وفي المدارس التي احتضنت التحدي، تحولت القراءة من نشاط فردي إلى حالة جماعية؛ كتبٌ تُختار، وملخصات تُكتب، ونقاشات تدور، وتصفيات تُجرى، وأسر تتابع، وطلاب يتنافسون في أجواء تحمل كثيراً من الحماس والفرح.
منافسة شرسة
وبينما تواجه القراءة اليوم منافسة شرسة من الشاشات والمحتوى السريع، تبدو أهمية التحدي في قدرته على إعادة الطفل إلى الكتاب، وإعادة طرح سؤال أوسع: هل يمكن أن تتحول هذه المنافسة إلى عادة، والعادة إلى أسلوب حياة؟
من منظور أدبي وتربوي، ترى الكاتبة والناقدة د. سعاد صابر أستاذ الأدب العربي المعاصر والخبيرة التربوية والاستشارية بوزارة التربية والتعليم في مصر، في تصريحات لـ «البيان» أن القراءة تمثل أحد أهم أبواب المعرفة الإنسانية، وأن قيمتها تتجاوز تحصيل المعلومات إلى اكتشاف التاريخ والثقافة والإنسان.
وتستحضر صابر قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، باعتبار القراءة مدخلاً أصيلاً إلى التعلم والمعرفة، مشيرة إلى أن الإنسان ما كان ليعرف أخبار السابقين وسيرهم، أو يقرأ ما تركته الحضارات القديمة من نقوش وشواهد، لولا القراءة والكتابة.
رحلة القراءة
وترى أن «تحدي القراءة العربي» شكّل خطوة مهمة في إعادة الاعتبار للقراءة باللغة العربية، وفي التأكيد على قدرة اللغة العربية على استيعاب المعرفة والانفتاح على مختلف الثقافات.
كما أتاحت المبادرة للطالب، منذ الصفوف الأولى وحتى المرحلة الثانوية، أن يقرأ خارج حدود الكتاب المدرسي، وأن يكتشف عوالم لم تكن لتصل إليه بالضرورة عبر المنهج وحده.
وتلفت إلى أن خصوصية التجربة لا تكمن في عدد الكتب التي يقرأها الطالب فحسب، وإنما في الرحلة التي يخوضها أثناء القراءة؛ إذ ينتقل تدريجياً بين مراحل التحدي، ويكتسب مع كل مرحلة شعوراً جديداً بالإنجاز. وهنا، بحسب رؤيتها، «يفوز» الطالب مرتين: مرة حين يفتح الكتاب ويكتشف عوالم وأفكاراً وثقافات جديدة، ومرة حين يقطف ثمرة جهده في المنافسة.
التحدي الحقيقي
وتشير إلى أن أثر المبادرة أصبح واضحاً داخل المدارس فهناك، طلاب يتنافسون، ومعلمون يتابعون، وأسر تشارك، ومراحل تصفية تصعد بالطالب من مستوى إلى آخر، وسط أجواء من الحماس والفرح. وترى أن هذه الأجواء لا تمنح الطفل فرصة للقراءة فقط، وإنما تمنحه أيضاً تجربة اجتماعية ونفسية قائمة على المشاركة والإنجاز وتحمل المسؤولية.
وتضيف: «إن الطفل الذي يقرأ كتاباً ثم يحاول تلخيصه والحديث عن أفكاره أمام الآخرين، يتدرب بصورة عملية على التعبير عن ذاته، وعلى تنظيم أفكاره، وعلى الوقوف أمام الآخرين بثقة. وهي جوانب تجعل القراءة، في تجربتها، تتجاوز كونها نشاطاً معرفياً، لتصبح جزءاً من بناء شخصية الطفل».
ثقافة يومية راسخة
وتشير د. سعاد كذلك إلى البعد الإنساني للمبادرة، لافتة إلى أنها جمعت أطفالاً من خلفيات مختلفة في ميدان واحد، وجعلت القراءة والإنجاز معياراً للتنافس. وترى أن مشاهد الفرح التي صاحبت مراحل التحدي والفوز، تحمل دلالة مهمة؛ فالقراءة هنا لم تعد واجباً مدرسياً ثقيلاً، وإنما أصبحت تجربة تمنح الطفل البهجة والشعور بالقدرة والانتماء والإنجاز.
وتخلص إلى أن بناء جيل قارئ، لا يمكن أن يتحقق في موسم واحد، مهما كان حجم المبادرة، وإنما يحتاج إلى استمرارية تجعل الكتاب حاضراً في حياة الطفل داخل المدرسة والبيت والمجتمع.
العودة للكتاب
وتتفق الخبيرة التربوية د. فاطمة النجار المتخصصة في شؤون التعليم والتربية، مع أهمية النظر إلى «تحدي القراءة العربي»، باعتباره أكثر من مسابقة؛ فهو، في رأيها، أعاد الطالب إلى الكتاب والمكتبة، في وقت أصبحت فيه شبكة الإنترنت الطريق الأسرع للحصول على أي معلومة.
وتوضح في تصريحات لـ «البيان»، أن سهولة الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت جعلت الطالب قادراً على الحصول على إجابة جاهزة في ثوانٍ، بينما جاءت تجربة التحدي لتعيد إليه قيمة البحث والقراءة والاطلاع المباشر، وتمنحه فرصة لأن يبحث عن المعرفة من خلال الكتاب، لا أن يكتفي بما تقدمه الشاشة من إجابات سريعة.
ضرورة تربوية
وترى النجار أن أهمية التجربة تكمن أيضاً في أنها أعادت للمكتبة حضورها في حياة الطالب، وشجعت على العودة إلى الكتاب بوصفه مصدراً للمعرفة والثقافة. وتلفت إلى أن التحدي يذكّرها بمشروعات سابقة اهتمت بتشجيع الأسرة والطفل على اقتناء الكتب والقراءة، مؤكدة أن بناء علاقة قوية بين الطفل والكتاب، يظل ضرورة تربوية حتى في عصر التكنولوجيا.
وتتوقف الخبيرة التربوية عند إحدى المهارات الأساسية التي تفرضها تجربة التحدي، وهي تلخيص ما قرأه الطالب، مضيفة: «الطالب لا يكتفي بإنهاء الكتاب، وإنما مطالب بأن يستوعب مضمونه، ويميز أفكاره، ثم يعيد صياغتها بلغته الخاصة. وهذه العملية، كما ترى، تمنحه تدريباً عملياً على الفهم والتركيز والاستيعاب والتعبير».
وتؤكد أن تكرار هذه التجربة ينعكس على الطالب في أكثر من جانب؛ إذ يراكم ثروة لغوية ومعرفية أكبر، ويصبح أكثر قدرة على الحديث والمناقشة والتعبير عن أفكاره، وهنا تتحول القراءة من عملية «تخزين للمعلومات»، إلى ممارسة تساعد الطالب على تكوين رأيه والتعبير عنه.
جوانب نفسية
ولا تغفل النجار الجانب النفسي للتجربة؛ مشيرة إلى أن الطالب الذي يقرأ ثم يلخص ثم يقف أمام الآخرين ليعرض ما فهمه، يمر بسلسلة من المواقف التي تمنحه إحساساً بالقدرة والإنجاز، ومع تكرار التجربة، يمكن أن تتعزز ثقته بنفسه، ويصبح أكثر استعداداً للمشاركة والحوار وإبداء الرأي.
وترى أن الفارق بين الطالب الذي يقرأ، والطالب الذي يكتفي بالحصول على المعلومة الجاهزة، لا يتعلق فقط بحجم المعرفة، وإنما بطريقة اكتسابها، فالكتاب يتيح مساحة أوسع للتأمل والربط والمقارنة وطرح الأسئلة، بينما تمنح المعلومة السريعة إجابة مباشرة، قد لا تتيح للطفل دائماً الوقت نفسه للتفكير في خلفياتها ودلالاتها.
ومع ذلك، لا ترى الخبيرة التربوية أن العودة إلى الكتاب تعني الانعزال عن التكنولوجيا؛ على العكس، فالطفل يحتاج إلى أن يتعلم كيف يستخدم الإنترنت بوعي، وكيف يتحقق من مصادر المعلومات، وكيف يوازن بين سرعة التكنولوجيا وعمق القراءة. فالمطلوب، في رأيها، ليس الاختيار بين الكتاب والشاشة، وإنما بناء قارئ قادر على التعامل الواعي مع الاثنين.



