«الأدب النسائي».. إنصاف للمرأة أم عزل لإبداعها؟

سعاد صابر
سعاد صابر
أماني التونسي
أماني التونسي


في المشهد الثقافي العربي عموماً، والإماراتي بوجه خاص، أصبحت الكاتبة حاضرة بقوة في الرواية والقصة والشعر والسيناريو والنقد، ولم تعد مشاركتها بحاجة إلى إثبات. ومع اتساع هذا الحضور، يعود سؤال ليطرح نفسه من جديد: لماذا نطلق على ما تكتبه المرأة «أدباً نسائياً»، في حين لا نصف ما يكتبه الرجل بـ«الأدب الذكوري»؟
لا يبدو السؤال متعلقاً بالتسمية وحدها، بل بطريقة النظر إلى إبداع المرأة. فهل يعكس المصطلح خصوصية تجربتها، أم يوحي بأن أدب الرجل هو النموذج العام، في حين تحتاج كتابة المرأة إلى تعريف خاص؟
وتكتسب المسألة أهمية في الإمارات، حيث تتسع مساحة حضور الكاتبة في المشهد الثقافي، وتتعدد موضوعاتها لتتجاوز قضايا المرأة إلى أسئلة المجتمع والهوية والمكان والذاكرة والإنسان.
حضور قديم
تؤكد د. سعاد صابر، أستاذ الأدب العربي المعاصر، أن حضور المرأة في الأدب العربي ضارب في القدم، مشيرة إلى أن هناك أسماء نسائية استطاعت منذ عصور مبكرة أن تفرض حضورها في المشهد الإبداعي.
وتشير إلى أن الخنساء تمثل نموذجاً بارزاً، فقد ذاع صيتها في الجاهلية وتناقل العرب شعرها، ولم تكن قيمته مرتبطة بكونها امرأة، وإنما بموهبتها الشعرية وقدرتها على التعبير.
وتضيف أن «الخنساء» واصلت حضورها بعد إدراكها الإسلام، وظلت تجربتها في الرثاء، ولا سيما رثاء أخيها صخر، من التجارب الشعرية البارزة، لافتة إلى أن النبي صل الله عليه وسلم كان يستمع إلى شعرها ويطلب منها الإنشاد.
وترى د. سعاد أن حضور المرأة امتد عبر العصور، مستشهدة بولادة بنت المستكفي في العصر الأموي، واستمرت التجارب النسائية البارزة حتى العصر الحديث، من بينها «مي زيادة» التي أسست صالوناً أدبياً أصبح فضاءً للحوار الثقافي والفكري.
وتشير كذلك إلى تجربة «نازك الملائكة»، التي أسهمت في التحولات التي شهدها الشعر العربي الحديث، مؤكدة أن هذه النماذج تثبت أن المرأة لم تكن هامشاً في تاريخ الأدب العربي، بل شريكاً في صناعته وتطويره.



وفيما يتعلق بالمرأة الإماراتية، تؤكد د. سعاد أستاذ الأدب العربي أن حضور المرأة الإماراتية في الأدب أصبح جزءاً أصيلاً من المشهد الثقافي، من خلال الرواية والقصة والشعر والكتابة المسرحية والسيناريو والنقد. فالأديبة صالحة عبيد قد وصلت إلى القائمة القصيرة في الجائزة العالمية (البوكر عام 2023 ) عن روايتها «دائرة التوابل».
واللافت أن هذه الكتابة لم تعد محصورة في قضايا المرأة، بل انفتحت على تحولات المجتمع، والهوية، والمكان، والذاكرة، والأسئلة الإنسانية والفكرية، بما يجعل التجربة الإماراتية امتداداً طبيعياً للمسار العربي في تطور كتابة المرأة.
ومن هنا، فإن خصوصية تجربة الكاتبة لا تعني عزلها داخل تصنيف خاص؛ فقد تنطلق من تجربتها كامرأة، لكنها قادرة على الوصول إلى أسئلة الإنسان والمجتمع والوطن والتاريخ.
وتختتم د.سعاد: «ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: هل هذا أدب نسائي أم ذكوري؟ وإنما: هل هذا نص جيد؟ ماذا يضيف؟ وكيف يعبّر عن الإنسان؟
فمن الخنساء إلى الكاتبة الإماراتية المعاصرة، أثبتت المرأة حضورها في الأدب. ولذلك ربما آن الأوان لأن يُقرأ النص بوصفه إبداعاً أولاً، قبل أن يُقرأ بوصفه كتابة امرأة. فإذا كنا لا نقول «أدب ذكوري» عندما يكتب الرجل، فلماذا نحتاج إلى القول «أدب نسائي» عندما تكتب المرأة؟».
التصنيف وقيمة النص
بدورها، ترى الكاتبة والسيناريست أماني التونسي أن تصنيف الأدب وفق جنس الكاتب، رجلاً كان أم امرأة، هو تصنيف ثقافي وإجرائي أكثر منه معياراً فنياً، وقد يتحول إلى عامل ينتقص من قيمة النص.
وتؤكد أن حصر كتابة المرأة تحت مظلة «الأدب النسائي» قد يوحي بأن هذا الأدب موجه إلى النساء أو محصور في المشاعر والعلاقات والمعاناة الذاتية، في حين يُتعامل مع كتابة الرجل باعتبارها أدباً عاماً وإنسانياً.
وتضيف أن الإبداع الحقيقي لا يحمل جنساً بيولوجياً، موضحة أن الرواية أو القصيدة الجيدة تقاس بجماليتها وعمقها الإنساني وبنائها الفني ولغتها، وليس بجنس صاحبها.
وترى أن التصنيف قد يفرض على القارئ إطاراً مسبقاً، فيبحث في النص الذي تكتبه المرأة عن «التجربة النسوية» بدلاً من البحث عن قيمته الفنية وما يطرحه من أسئلة إنسانية.
ولماذا لا يوجد «أدب ذكوري»
وحول غياب مصطلح «الأدب الذكوري»، تشير إلى أسباب تاريخية وثقافية، موضحة أن الكاتب في الثقافة العربية والعالمية كان، لقرون طويلة، رجلاً في الغالب، فأصبح النموذج الذكوري هو الأصل والقياس الطبيعي في الكتابة، في حين عُدت كتابة المرأة استثناءً يحتاج إلى تسمية خاصة.
وتوضح أن النص الذي يكتبه الرجل يُنظر إليه غالباً بوصفه معبراً عن القضايا الإنسانية والسياسية والاجتماعية العامة، في حين يُقرأ نص المرأة باعتباره تجربة ذاتية أو نسوية، حتى عندما تتناول قضايا تتجاوز تجربتها الشخصية.
وتلفت إلى أن غياب مصطلح «الأدب الذكوري» يعكس، في جانب منه، مركزية ثقافية جعلت الرجل هو الراوي الافتراضي للتاريخ والإنسانية، في حين وُضعت المرأة في موقع «الآخر».
وتؤكد التونسي أن التجارب الكبرى في الرواية والشعر العربي أثبتت قدرة المرأة على تناول القضايا السياسية والفلسفية والاجتماعية والإنسانية ببراعة لا تقل عن الرجل، مشيرة إلى أن اختزال الكاتبة في قضايا المرأة وحدها يمثل قراءة ضيقة لتجربتها.
وقد يكون مصطلح «الأدب النسائي» مفيداً في بعض الدراسات التي تبحث في تاريخ كتابة المرأة وخصوصية تجربتها، لكنه يصبح إشكالياً حين يتحول إلى معيار للحكم على النص.