حين يصبح البوح أدباً... مكتبة محمد بن راشد تستكشف عوالم أدب الرسائل


نظّمت مكتبة محمد بن راشد، على مدار يومين، «ملتقى أدب الرسائل»، بمشاركة نخبة من الأدباء والكتّاب والباحثين والمفكرين، في برنامج ثقافي متنوع سلّط الضوء على أدب الرسائل بوصفه أحد الفنون الأدبية التي وثّقت عبر العصور أفكار الكتّاب والمفكرين ومشاعرهم وتجاربهم، وكشفت جوانب إنسانية وفكرية لا تظهر بالوضوح نفسه في أعمالهم المنشورة.
وجاء الملتقى في إطار جهود مكتبة محمد بن راشد لتعزيز الحراك الثقافي، وفتح مساحات جديدة للحوار حول الأجناس الأدبية وتطورها، وربط التراث الأدبي العربي بالتجارب العالمية، إلى جانب استكشاف التحولات التي طرأت على الرسالة من شكلها التقليدي المكتوب إلى وسائل التواصل الحديثة، وما تثيره هذه التحولات من أسئلة حول القيمة الأدبية والتوثيق والخصوصية وحفظ الذاكرة.
وقال الدكتور محمد سالم المزروعي، عضو مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم: «يجسد ملتقى أدب الرسائل رؤية المكتبة في ترسيخ مكانتها منصة معرفية وثقافية فاعلة، تسهم في إثراء المشهد الثقافي، وتعزيز حضور الأدب العربي، وبناء جسور للحوار والتبادل المعرفي مع الثقافات والتجارب الأدبية العالمية».
وأضاف: «ننظر في مكتبة محمد بن راشد إلى التراث الأدبي بوصفه رصيداً معرفياً حياً يمكن البناء عليه وإعادة تقديمه برؤى معاصرة تواكب التحولات الثقافية والمجتمعية. ومن هذا المنطلق، يأتي الملتقى ليعيد قراءة أدب الرسائل واستكشاف قيمته الأدبية والإنسانية والتوثيقية، ويقرّب الأجيال الجديدة من هذا الإرث، بما يسهم في استدامة المعرفة وتعزيز ارتباط المجتمع بالقراءة والثقافة».
وأكد أن تنوع التجارب واللغات التي جمعها الملتقى يعكس توجه المكتبة نحو توسيع آفاق الحوار الثقافي، وإتاحة مساحات تلتقي فيها التجارب العربية والعالمية، بما يعزز دور دبي مركزاً للثقافة والمعرفة والإبداع، ويدعم حضورها في المشهد الثقافي إقليمياً وعالمياً.


واستهل الملتقى برنامجه بورقة بحثية حول «الرسائل في الثقافة الإماراتية»، بمشاركة الدكتور صالح هويدي والأستاذة مريم الساعدي، تناولت حضور الرسالة في الثقافة الإماراتية وعلاقتها بالذاكرة والمجتمع والتعبير الإنساني، وسلّطت الضوء على نماذج من الخطاب الإماراتي وما تحمله الرسائل والخطابات من قيم المسؤولية والتسامح والتلاحم الأسري وخدمة المجتمع والمحافظة على البيئة، إلى جانب مناقشة التحولات التي شهدتها الرسالة مع تطور وسائل الاتصال وانتقالها إلى البريد الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المحادثة، ومدى تأثير تغير الوسيلة في قيمتها الأدبية.


وفي جلسة حول «أدب الرسائل عند أبي العلاء المعري»، استعرض سعادة الدكتور علي بن تميم والدكتور خليل الشيخ موقع الرسالة في تجربة المعري الأدبية والفكرية، واتساع مفهومها في التراث العربي، وتوقفا عند عدد من أعماله وفي مقدمتها «رسالة الغفران»، وما تمثله تجربته من نموذج لامتزاج الأدب بالفكر والفلسفة، إلى جانب تطور فن الرسائل في الثقافة العربية وتحوله إلى جنس أدبي يمتلك خصائصه الأسلوبية والبلاغية والفكرية.

وتناولت جلسة «رسائل الأدباء: مساحة خاصة بين الفن والإبداع»، بمشاركة الأستاذ علي عبيد الهاملي، والدكتور عمر عبدالعزيز، والأستاذ حسين درويش، القيمة الأدبية والإنسانية للمراسلات بين الأدباء، وما تكشفه من تفاصيل عن شخصياتهم وأفكارهم وعلاقاتهم، وقدرتها على إظهار «الإنسان خلف الأديب» ورصد ولادة الأفكار وتوثيق العصور من زاوية شخصية، كما ناقشت الحدود بين القيمة الأدبية والتاريخية لهذه المراسلات وخصوصية أصحابها، ومستقبل الرسائل في العصر الرقمي وإمكانية تحول الرسائل النصية المعاصرة إلى وثائق أدبية وتاريخية مستقبلاً.

واختتم برنامج اليوم الأول بجلسة «رسائل الجاحظ: الأدب والفكر في فن الترسّل العربي»، بمشاركة الدكتور محمد عيسى، والأستاذ العربي بن ثائر، والأستاذة أمل صارم، والتي تناولت الرسالة بوصفها أحد أشكال النثر العربي التي يلتقي فيها الأدب بالفكر والحجاج والسرد والسخرية والاستطراد، وتوقفت عند البناء الفني في رسائل الجاحظ من خلال قراءة في رسالة «فصل ما بين العداوة والحسد»، وما تتميز به كتاباته من قدرة على الجمع بين الحجة والفكرة والحكاية والأمثال والأشعار والتحليل الأخلاقي والاجتماعي، بما يجعل الرسالة لديه تجربة أدبية وفكرية تتجاوز وظيفتها التواصلية.


وفي اليوم الثاني، انتقل الملتقى إلى تجارب أدبية عالمية عبر جلسات قدمت باللغات الروسية والإنجليزية والفرنسية، ووسعت نطاق النقاش حول أدب الرسائل من خلال استكشاف علاقته بالصداقة والإبداع والتحولات التي فرضتها وسائل الاتصال الحديثة، إلى جانب ما تحمله الرسالة من بوح وتعبير عن الذات.


وفي جلسة «حين يكتب الأدباء لبعضهم: صداقات صنعت الأدب»، التي قُدمت باللغة الروسية بمشاركة فالنتينا ليبسكايا، وإيليلنا أولخوفسكايا، وآنا كامنفا، وكريستينا كريتوفا، تناول النقاش العلاقة بين الرسائل والروابط الإنسانية والأدبية، وكيف يمكن للمراسلات بين الأدباء أن تتحول إلى جزء من تاريخ الأدب، بما تكشفه من صداقات وحوارات وتفاعلات أسهمت في تشكيل التجارب الإبداعية.


وفي جلسة «الرسائل في زمن السرعة: هل تغيّر الشكل أم الجوهر؟»، التي قُدمت باللغة الإنجليزية بمشاركة دانييلا تولي، وأفني دوشي، وديبا سليم عرفان، ناقش المشاركون التحولات التي طرأت على الرسائل في عصر الاتصال الفوري، في ظل اختصارها إلى كلمات قليلة ووصولها في لحظات، وطرحوا تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحول قد طال جوهر الرسالة نفسها، أم اقتصر على شكلها ووسيلة انتقالها.


واختتمت جلسات الملتقى بجلسة باللغة الفرنسية بعنوان «من الرسائل البرتغالية إلى التخيل الذاتي: البوح قبل أوانه، أو حين يبتكر التخيل الصدق»، بمشاركة ماري-جان أكوافيفا وآن-صوفي لوزانو، والتي فتحت مساحة للتأمل في العلاقة بين الكتابة والذات، وبين البوح والصدق، من خلال الانتقال بين تجارب وأساليب مختلفة في الكتابة الرسائلية وما تتيحه من مساحات للتعبير الإنساني والأدبي.


ويأتي تنظيم الملتقى ضمن جهود مكتبة محمد بن راشد لإعادة تقديم التراث الأدبي في سياقات معاصرة، وتعزيز الحوار حول علاقته بالتحولات الثقافية والتقنية، بما يتيح للأجيال الجديدة الاقتراب من أدب الرسائل واكتشاف قيمته الأدبية والإنسانية، واستكشاف حضوره وإمكاناته في عالم سريع التغير.