Toy Story 5.. رؤية "عن قرب" لأزمة جيل يعيش "عن بعد"




في العام 2023، تفاجأ الجميع بإعلان بوب إيجر، الرئيس التنفيذي لشركة (ديزني)، بأن هناك جزءاً خامساً لسلسلة (Toy Story)، مما أثار حالة من الفرح بعودة فيلم الطفولة، ولكن الخوف من أن هذه السلسلة يبدو أنها ستتعرض لما يسمى لدى السينمائيين وصناع المحتوى بـ(التمطيط) و(الاستغلال الاسمي) فقط لجني الأرباح المالية، إذ كانت الشركة تمر بمرحلة مالية حرجة تعرضت فيها أفلامها إلى هزة كبيرة في شباك التذاكر الأمريكي والعالمي.

وكان الشغل الشاغل للجماهير هو التحدي الجديد الذي ستواجهه هذه الألعاب؛ ففي الجزء الثالث قام (آندي) بتسليم ألعابه إلى (بوني) التي تولت رعاية (Woody)، (Buzz)، و(Jessie)، حتى جاء الجزء الرابع ووضع مساراً مختلفاً لـ(Woody) الذي قرر خوض رحلته الخاصة والانفصال عن رفاقه الألعاب الأخرى، إلى أن بدأت الحملة الدعائية في 2024، وأظهرت أن العدو الجديد للألعاب التقليدية سيكون الأجهزة الذكية.

وعند مشاهدة الفيلم، يبدو أن اختيار الأجهزة الذكية كان صائباً للغاية، فقد أظهر العمل منذ البداية كيف كانت (بوني) تعاني من قلة الأصدقاء، والسبب احتفاظها بألعابها في زمن شهد لجوء الجيل الحالي إلى الأجهزة الذكية وتطبيقاتها، فكان الحل هو شراء جهاز يسمى (Lilypad) حتى تستطيع كسب الأصدقاء من خلاله وإظهار مدى اندماجها مع الجيل الجديد، إلا أنه في الوقت ذاته شكّل هاجساً كبيراً للألعاب، وبالتحديد (Jessie)، من أن مالكتهم سوف تتخلى عنهم للأبد.

ولكن الفيلم، من خلال سرد هذه القصة، دق ناقوس الخطر؛ إذ يوحي العمل بأن الاعتماد المفرط على الأجهزة الذكية قد يحرم الأطفال من بعض جوانب الطفولة التقليدية، بالإضافة إلى غياب الرقابة الأسرية، وصولاً إلى التنمر الإلكتروني الذي دفع (بوني) إلى التخلي عن ألعابها رغماً عنها حتى تكون محبوبة ومرغوبة لدى أصدقائها الجدد.

كذلك يتطرق الفيلم إلى ضعف التواصل الإنساني والمهارات الاجتماعية التي تراجعت للغاية لدى الجيل الجديد، الذي بات يعيش في جزر منعزلة بعيداً عن اللقاءات في إجازات نهاية الأسبوع، ويفضل التواصل عن بُعد عبر الأجهزة، وما لها من مخاطر لا تُحمد عقباها.

خطة ذكية

ولكن علينا أيضاً قراءة ما بين السطور؛ فالألعاب التقليدية والشركات المنتجة لها تراجعت بشكل حاد مع هيمنة الأجهزة الذكية. فشركة (Mattel) عانت في شهر فبراير الماضي من تراجع ضخم في أسهمها وصل إلى 30% بسبب توقعات الأرباح الضعيفة المرتبطة بضعف سوق الألعاب التقليدي، أما (Hasbro) ففضلت التركيز على القطاع الرقمي الذي كان بمثابة طوق نجاة محققاً قفزات تاريخية وصلت إلى 45% العام الماضي.

يمكن أيضاً قراءة الفيلم كرسالة غير مباشرة تعيد التذكير بقيمة الألعاب التقليدية، وهو أمر قد يخدم مصالح ديزني التجارية في الوقت نفسه.

جيسي البطلة

ومن الجانب الفني، العمل يستحق المشاهدة؛ إذ أن السلسلة لم تفقد بريقها الخلاب السحري، ولم تقع في فخ التكرار، بل إن اللعبة (Jessie)، بعد سنوات من تواجدها في السلسلة، نالت فرصتها بأن تكون هي النجمة المطلقة للعمل، الذي نال تفاعل الأطفال خلال مشاهدتي للفيلم، وأثبتت قدرتها على خطف الأضواء من الأبطال الأساسيين (Woody) و(Buzz).

ورغم أن الفيلم يطرح قضية مهمة تتعلق بإدمان الأجهزة الذكية وتأثيرها على الأطفال، إلا أنه يقع أحياناً في تبسيط المشكلة عبر تصوير التكنولوجيا وكأنها الخصم الرئيسي في حياة الجيل الجديد، بينما الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فالمشكلة ليست في الأجهزة نفسها، بل في طريقة استخدامها وغياب التوازن والرقابة الأسرية.

كما يميل الفيلم في معظم أحداثه إلى تبني وجهة نظر الألعاب التقليدية، قبل أن يقدم في نهايته رؤية أكثر توازناً تؤكد إمكانية التعايش بين التكنولوجيا والعلاقات الإنسانية.

ومن زاوية أخرى، يمكن اعتبار الفيلم انعكاساً لمخاوف صناعة الألعاب نفسها. فبينما يدافع العمل عن أهمية اللعب التقليدي والتفاعل الإنساني المباشر، فإنه في الوقت ذاته يخدم بصورة غير مباشرة الشركات التي تعتمد على بيع الألعاب الفيزيائية في سوق يتجه بسرعة نحو المحتوى الرقمي والتطبيقات والألعاب الإلكترونية.

لذلك يمكن القول إن الفيلم نجح في إثارة نقاش مهم حول الطفولة في العصر الرقمي، فمن خلال الصراع بين الألعاب التقليدية والأجهزة الذكية، يطرح تساؤلات حول تأثير التكنولوجيا على الأطفال وعلاقاتهم الاجتماعية. ورغم أن العمل يبدأ بتصوير الأجهزة الذكية كتهديد لعالم الألعاب التقليدي، فإنه ينتهي برسالة أكثر توازناً، تؤكد أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في طريقة استخدامها. وفي النهاية، يذكرنا الفيلم بأن الصداقة والخيال والذكريات والتواصل الإنساني تبقى أشياء لا يمكن لأي شاشة أن تستبدلها بالكامل.