الدراما العربية.. أعمال مفتوحة على التنظيمات الإرهابية

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

الاقتراب من الواقع، ومعاينته، وفتح العيون عليه، مهمة حملتها الدراما العربية، بعد أن نجحت في التجرد من حكايات الخيال، والاقتراب من الواقع، بعد أن فتش كتابها بين صفحات تاريخ حديث لا يزال حبره ندياً، ليخرجوا منها بحكايات مختلفة ألوانها نجحت في فتن عين المشاهد واستفزاز تفكيره، عبر تعريفه بكواليس الواقع وما يشهده من مجريات عديدة، لتنجح الدراما العربية هذا العام في إحداث ضجيج لافت على مواقع التواصل الاجتماعي، ليبدو ذلك إشارة إلى نجاحها في الوصول إلى هدفها الأساسي.

رغم الانتقادات التي تعرضت لها الدراما العربية هذا العام، والاتهامات بالانحراف عن القيم والعادت، إلا أن خريطتها بدت واسعة، وضمت الكثير من القضايا التي تناولت بجدية ظواهر هامة في المجتمع العربي.

ضمت خارطة الدراما العربية نحو 172عملاً، نصيب مصر منها نحو 36 عملاً منها، علماً بأن تكلفة انتاج المسلسل الواحد، وفق الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين، يتراوح ما بين 30 إلى 40 مليون جنيه مصري، بينما تبلغ التكلفة الإجمالية للإنتاج المصري الدرامي لهذا العام ما يقارب ملياراً و200 مليون جنيه.

وتوزعت دراما الموسم الحالي بين تصنيفات الدراما المختلفة بدءاً من الكوميديا، وليس انتهاءً بالتراجيديا والرومانسية، حيث كان لكل عمل حبكته الخاصة ونجومه وحركته الإنتاجية أيضاً، لكن اللافت في هذه الخريطة نوعية التغيير الذي تشهده، حيث ارتدت بعضها «ثوب السياسة»، بينما شهدت تراجعاً في «الدراما الدينية»، مقابل تقوية عود الدراما الاجتماعية التي تزينت بنفحة كوميدية لتخفيف وقعها على المشاهد. كما كان لافتاً أن ذلك لم يضمن رضا الجمهور في بعض الحالات.

ليس سراً القول بأن موسم رمضان أصبح يمثل «التربة الخصبة» التي تزدهر فيها صناعة الدراما، حيث تتسابق شركات الإنتاج الدرامي قبل حلوله بفترة إلى «تقديم أوراق اعتمادها» للمحطات التلفزيونية، أملاً منها أن تحظى بـ«نصيب من الكعكة الدرامية»، التي تبلغ تكلفتها سنوياً ملايين الدولارات.

وفي الموسم الراهن، معظم أبطال الدراما من «نجوم الصف الأول» الذين تتجاوز أجورهم حدود الملايين، كما الفنان محمد رمضان الذي تصدر قائمة الأعلى أجراً في رمضان الحالي، بقيمة 45 مليون جنيه، نظير بطولته لمسلسل «المشوار»، فيما وصل أجر الفنان أحمد السقا في مسلسل «الاختيار 3» إلى 33 مليون جنيه، أما الفنان أمير كرارة الذي يلعب بطولة «العائدون» فقد وصل أجره إلى 28 مليون جنيه، وذلك وفق قائمة الأعلى أجراً في رمضان، التي تداولتها معظم المواقع الإخبارية المهتمة بالشأن الفني.

في المقابل، كانت الدراما السورية حاضرة بقوة هذا العام، حيث قدمت على الأقل 14 عملاً درامياً، توزعت بين تصنيفات الدراما المختلفة، إلا أن ما يميز أعمال الدراما السورية هو جنوحها نحو «التفتيش في دفاتر التاريخ السوري القديم» عبر مسلسلات «البيئة الشامية» كما «الكندوش» و«بروكار» و«جوقة عزيزة» وغيرها، إلا أن عين الدراما السورية بدت مفتوحة على الواقع المعاش، لتعيد «التقليب بين أوراق الحرب وإفرازاتها»، كما مسلسل «كسر عضم» الذين يعاين الفجوة التي أحدثتها الحرب في البنية الاجتماعية، وتقسيمها إلى طبقة أصحاب المال وطبقة الفقراء. بينما حضور الدراما الخليجية بدا مختلفاً من حيث «حكاياتها» التي مالت كفتها نحو «الدراما الاجتماعية» بخلاف «سنوات الجريش» و«محمد علي رود 2»، اللذين استلهما من تقلبات التاريخ في منطقة الخليج، لتعيد روايته بطريقة جديدة، قادرة على إبراز نوعية التحولات التي شهدتها منطقة الخليج.

تختلف ظروف الصناعة في مصر وسوريا والخليج فيما بينها في تكلفة الإنتاج وأعمال التصوير والتحضيرات المصاحبة والكومبارس والمواقع، وكذلك أجور النجوم، وغيرها، والتي يعتمد عليها تحديد «السعر النهائي للحلقة الواحدة»، كما اختلفت الآراء حول الدراما العربية، ولكن اللافت في هذا العام هو ارتداء الدراما العربية «ثوب الجرأة»، وقدرتها على الالتصاق بالواقع المعاش، الذي تقاسمت في روايته أعمالاً درامية سورية وأخرى مصرية، وقد سعت إلى روايته وفق منظورها الخاص، حيث عين الأولى (الدراما السورية) كانت مفتوحة على واقع «الحرب وتبعاتها» وما أحدثته من تفسخ في البنية الاجتماعية، بينما عين الثانية (الدراما المصرية) بدت مفتوحة على «إفرازات الربيع العربي» وما أحدثه من تغيير على الأرض العربية، وما نتج عنه من تشوه واضح في البنية الاجتماعية العربية، وما أفضى إليه من بروز لجماعات إرهابية ومتطرفة، تسترت تحت غطاء الدين.

ثوب عربي

«ولادة من الخاصرة»، و«العراب» للمخرج الراحل حاتم علي، و«ضبو الشناتي» للمخرج الليث حجو، و«غداً نلتقي» و«بانتظار الياسمين» وسلسلة أخرى طويلة من الأعمال التي أطلت على الوجود منذ بدء الحرب في سوريا، بعضها ناقش الحرب وأخرى عاينت واقع البلد ما قبل دخولها في نفق الأزمة، وتلك السلسلة لم تنته بعد، فالإنتاج فيها لا يزال مستمراً وصولاً إلى الموسم الراهن الذي شهدنا فيه «كسر عضم» لرشا شربتجي، والذي يمثل دليلاً على نوعية الأعمال السورية التي توسدت الحرب وإرهاصاتها واتخذت من إفرازاتها مادة خصبة، لتقديم الواقع بصورة مغايرة.

على الضفة الثانية، أوجدت الدراما المصرية موطئ قدم لها في هذه العوالم، عبر «الاختيار» بمواسمه الثلاثة، و«الزئبق» و«العائدون» وغيرها من الأعمال التي غادرت الحدود المصرية لترتدي «ثوباً عربياً خالصاً»، حيث تستشرف من خلالها «مدى عمق وحدود الأمن القومي المصري»، فعلى الرغم من أن «الاختيار» خصص مشاهده لتعريف الجمهور بكواليس حكم الإخوان في مصر، والدور الذي لعبه الجيش في تأمين البلد والمحافظة عليها، يذهب «العائدون» إلى ناحية معاينة الواقع الذي فرضه تنظيم «داعش» الإرهابي على الأرض العربية، وكيفية تصدي المخابرات المصرية لمحاولات التنظيم ومعه الجماعات المتطرفة والإرهابية الأخرى تخريب الأوضاع الأمنية وخلخلتها في مصر وبقية المنطقة العربية.

ما بين «الاختيار 3» و«العائدون» مسافة واسعة، فالأول «مصري الطابع»، بينما الثاني يتخذ وجهاً عربياً، حيث دائرة نجومه واسعة وضمت عدداً من الجنسيات العربية، وفي كلا العملين استطاع الكاتب باهر دويدار أن يعبر عن الواقع المعاش، رغم استناده إلى «ملفات المخابرات المصرية»، وما أفضت إليه «التغييرات» التي شهدتها المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة، كما سعى إلى استشراف خطر الجماعات الإرهابية وعلى رأسها «داعش» ليس فقط على «الأمن العربي»، وإنما على عقول الشباب، ومحاولتها إجراء عملية «مسح دماغ» لهم، عبر زرع فكرة «التكفير» و«الإلحاد» وغيرها من الظواهر الغريبة على المجتمعات العربية.

في الموسم الدرامي الراهن، استطاع «الاختيار 3» أن يلمع وأن يحدث ضجيجاً واسعاً في المنطقة العربية، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك نتيجة عوامل عدة، لعل أبرزها كونه يناقش المرحلة «الأكثر حسماً في تاريخ مصر الحديث، ويركز على اللحظة التي تدخل فيها الجيش ليطيح بحكم محمد مرسي»، الأمر ذاته انسحب أيضاً على «العائدون» الذي يعرض على شاشة تلفزيون دبي التابع لمؤسسة دبي للإعلام، حيث لمع نجم العمل في سماء السباق الدرامي، محتلاً مساحة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أثنى روادها على العمل ومشاهده وطريقته في المعالجة الدرامية للحدث بشكل عام، فضلاً عن اعتماده على نجومية أمير كرارة في دور «عمر» ومحمد فراج (ضيف شرف) في دور «أبو مصعب»، وهاني رمزي في دور «إسماعيل»، وأمينة خليل في دور «نادين»، ومحمود عبدالمغني في دور «نبيل»، ومعهم ثلة من نجوم مصر والعرب أيضاً.

«العائدون»، وبغض النظر عن مدى قوة السيناريو، وترابط الأحداث، يظل عملاً شديد الالتصاق بالواقع، استطاع أن يعبر عنه بحذافيره، وأن يترجمه على الشاشة، فيه تجلت قدرات محمد فراج في التمثيل، لا سيما في مشهد حكم داعش عليه بالإعدام حرقاً، ليعيد العمل إلى الذاكرة تصوير ما حدث مع الطيار الأردني الراحل معاذ كساسبة، الذي أعدم حرقاً وهو حي على يد أعضاء تنظيم داعش في 2015، حيث كان يقف معاذ داخل قفص حديدي مغلق، في مشهد أثار مشاعر العرب جميعاً.

كشف صريح

«لا يمكن للدراما التلفزيونية أن تتحرك منفردة بدون دعم وإسناد الجهات الرسمية مادياً أو معنوياً، وبالتالي فإن أي حراك يذهب إلى تلك الموضوعات الوطنية الكبري يجب أن يسخر له كافة الإمكانات المادية والتقنية والمعنوية»، هكذا يرى الناقد الكويتي عبدالستار ناجي أهمية هذه النوعية من الأعمال، ويقول: «على مدار السنوات الماضية استطاعت الدراما العربية على اختلافها، أن تنجز عدداً من الإنتاجات عالية الجودة، والتي اعتمدت على «معلومات سرية» ودعم لوجستي عالي المستوى، ولا تزال الدراما العربية مستمرة في هذا الطريق، حيث شهدنا أعمالاً عدة مثل «خيانة وطن» و«الاختيار» و«بطلوع الروح» و«العائدون» ومروراً بكم آخر مثل «غرابيب سود» وكذلك حلقات من مسلسل «سيلفي 3» و«بانتظار الياسمين» وغيرها، والتي نجحت في تسليط الضوء على هذه القضية وأن تقدم معالجات درامية جميلة، وفق المتاح أمامها»، ويشير ناجي إلى أن ما «هو مطلوب من هذه الدراما أبعد من مجرد تسليط الضوء على الحرب وإفرازاتها والنتائج التي أفضت إليها».

ويقول: «نحن أحوج أن نذهب إلى بدايات الحراك والدور السري الذي تنطلق منه تلك المنظمات لتجنيد الشباب والفعل الخبيث الذي تقوم به، وهكذا بقية الأدوار التي يفترض أن تبادر وزارة الداخلية وقطاعات الأمن السري في فضحه وتعريته بالتعاون مع ورش متخصصة من أهم كتاب الدراما في العالم العربي لمواجهة ذلك الفكر التدميري الأسود».

يؤكد ناجي أن «صناعة الدراما التلفزيونية تظل إحدى مفردات التنوير وخلق الوعي والكشف الصريح للدور التدميري الذي تقوم به تلك المنظمات الإرهابية والمتطرفة هنا أو هناك. ولا يمكن لتلك الصناعة أن تمارس دورها وتقول كلمتها دون حماية أو غطاء مادي وتقني وفني وإعلامي»، ويصف ما تقوم به صناعة الإنتاج الدرامي التلفزيوني اليوم بأنه يمثل «البوابة الحقيقية من أجل أمن شعوبنا ودولنا ومستقبل أبنائنا»، ويقول: «ما أحوجنا أن نفعل تلك الأدوار الأساسية لهذه الصناعة لمواجهة الخبث ودعوات الظلام عبر النور والإرادة وكلمة الحق التي تصدح في وجه الظلم والظلام»، ويواصل: «مواجهة الإرهاب والتطرف ليس مجرد مسلسل أو فيلم، بل هو حراك يتواصل على المدى العام، لأن الإرهاب يظل يتحرك بالظلمة، وعلينا أن نكشف بأنوارنا وأعمالنا ذلك الخبث الذي يحيط بنا ويهدد مستقبلنا واستقرارنا».

صدى يتردد

«العائدون» الذي احتل المرتبة الرابعة في قائمة الأعلى مشاهدة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفق ما تشير إليه منصة «أوان» التابعة لمؤسسة دبي للإعلام، يظل عملاً رصيناً، بفضل طبيعة الفكرة التي يعالجها، التي يتجاوز فيها «فكرة داعش» إلى فكرة «معالجة أوضاع العائدون من أرض التنظيم» وطرق توزيع الخلايا على الأرض، وإن كانت نائمة أم فعالة.. إلخ، في محاولة لفتح العيون على مستقبل الأشخاص الذين أعلنوا ولاءهم لهذا التنظيم وغيره من المنظمات المتطرفة.

«العائدون» يتوقع أن تكون له مكانته في أرشيف الدراما العربية، حيث ينضم بذلك إلى سلسلة الأعمال التي «ناقشت الفكرة الظلامية»، لكنه في المقابل لا يعد العمل الدرامي العربي اليتيم، فقد سبق للدراما الإماراتية والخليجية أن حطت رحالها في هذه الدائرة، عبر مجموعة أعمال لا تزال صداها تتردد في الأرجاء، فأنتجت لنا «خيانة وطن»، الذي استند على رواية «ريتاج» للدكتور حمد الحمادي، حيث حمل العمل على صدره «وسام الإبداع»، بعد أن جمع بين إسماعيل عبدالله كاتباً، وأحمد يعقوب المقلة مخرجاً، وثلة من نجوم الإمارات، وهناك أيضاً مسلسل «المنصة» الذي عرض على نتفليكس، والذي أضاء على ذات القضية، وتأثيرات التنظيمات المتطرفة على البنية الاجتماعية، واستطاع العمل أن يحلق عالياً في سماء الشبكة الدولية، حاجزاً لنفسه مكانة عالية على قائمة الأكثر مشاهدة فيها.

طباعة Email