وجوه دراما رمضان 2022

اللبناني يوسف الخال.. فجر جديد لموهبة تغوص في "ظل" المطمئن!

ت + ت - الحجم الطبيعي

ينظر يوسف الخال إلى السماء ويشير إلى النجوم. في لباس شاعر العصور "عمر الخيام" يتحدث في مشهد من مسلسل "سمرقند" (محمد البطوش، اياد الخزور 2016) عن "الإضافة": "هذا الكون لا يمكن أن يبنى إلا بالإضافة"، يقول بصوت متهدج. لعله الصوت الداخلي الذي بات، مع سني النضج الفني، يرنو أكثر صوب التماسك والسلام. ثمة ثقة طاغية في أداء ممثل واجه كل مآزقه، خلال السنين التي خلت، بعناد قارب في مرات "معارك كسر العضم": مأزق العيش والعمل في بلد يستعر على تبدلاته وقلة استقراره مثل لبنان. مأزق هجرة المواهب وضعف ارادة الانتاج في كثير من الأحيان. مأزق طغيان "أنا" النجم التي تؤخر التطور في بعض الأحيان.

لكن المعركة قبل ذلك كله تمت بين يوسف ويوسف: الممثل الذي أراد الجميع حصره بالوسامة ومواصفات عارض الأزياء (بدأ مهنته فعلا كعارض) لطالما رغب هو أن يبرهن عن شيء آخر. وقد نجح. يكفي أن نشاهده في رمضان لهذا الموسم تحت إدارة "مفاجئة" ومحببة وشيقة (كما العادة) للمخرج المصري محمود كامل في مسلسل "ظل" المحسوب على الانتاج السوري لاعبا شخصية قيس المحامي الذي يواجه لحظة بيضاء تنشر النور على ضميره فيقرر أن ينتقل من ضفة التلاعب وخيانة الأخلاق الى ضفة الصواب، لكي نتأكد من أن موهبة الخال بلغت، بعد محطات درامية بارزة خلال العقد الماضي، لإحدى ذروات توهجها.

لكنه تحد أكبر بكثير من العلاقة مع ذاته، وأسبق على العلاقة مع الجمهور. فمنبعه الأكثر توغلا يهدر من التزام بوعد قطعه يوسف الابن ذات يوم ليوسف الأب، الشاعر اللبناني المؤثر بالمقام والفكر والموهبة والنهاية التراجيدية التي تتداخل معانيها كثيرا بنسيج المأساة اللبنانية المستمرة. الابن وعد والده بأن يكون ذا شأن، لكن، بعد رحيل الوالد المباغت، أصبح الوعد ثقلا لا يخلو من ضغط الذنب. في مقابلة تلفزيونية حديثة يقول الخال: "أعتذر من والدي ان لم أحقق رغبته بأن أكون كما رغب بي.. لكنني على الطريق لتحقيق ذلك".

طريق الخال، تظلله خيمة من النجوم، تسطع على موهبته، يبدو مفتوحا على آفاق واعدة، إذا ما استمر في انتقاء أدوار تظهر امكانات متنوعة لأدائه، كما في "ابن العربي" و"الخيَّام" و" قيس" مؤخراً، وإذا ما وفّق بمخرج واعٍ لأدواته، خبير بالمعادلة الصعبة في ارضاء الجمهور ومعايير الاجادة الفنية لصنع عمل لا يزول أثره مع انتهاء عرضه.

في هذا السياق، يميل كامل، الذي يفضل "التكنيك" الأميركي في صنع دراما تركز على عمق الشخصيات من دون تجاهل عنصر الحركة والتشويق والجريمة، مع الجنوح في بعض المرات الى مثاليات هوليودية تنميطية يحبها الجمهور.. يميل أيضاً إلى تحدي نفسه في كل عمل جديد، في السينما أو الدراما. لقد امتلك صاحب "ميكانو" أسلوبه منذ زمن بعيد، لكنه لا يتوقف عن التجريب كما في "خارج الخدمة" واختبار آفاق جديدة كما في "بنات ثانوي". وهو بالتأكيد ليس مخرجا سهلا بالنسبة الى طاقم الممثلين معه (في "ظل" لقاء هامات ممتع بين جمال سليمان وعبد المنعم عمايري إلى جانبهم الخال)، إذ يكفي أنه من أتباع مدرسة الصورة التي نادرا ما تبتعد عن وجه الممثل، بما في ذلك من دفع له وتحفيز طوال الوقت على تقديم كل انطباعاته بوضوح كاشف أمام الكاميرا وعيون الجمهور. كاميرا محمود كامل محمولة غالب الوقت، وضيقة الكادر، تجعل المشاهد يلهث وراء حس التشويق والغموض وانتظار الآتي التي يزيد من تماسكها توظيف محترف للإضاءة الدرامية.

وسط ذلك، ينجح الممثل اللبناني يوسف الخال في هذا التحدي، مستفيدا من مرحلة النضج التي أتينا على ذكرها، لكي تفيض عيناه بخزين من مشاعر السلام والاستسلام، والقلق والتحدي، والعطش العاطفي واللامبالاة.. من دون أن يحيّد الصوت وتبدل نبرته عن مصاحبة أداء العيون والوجه، فتكون التلقائية والأصالة الأدائية في أبرز أشكالها.

إن قيس المحامي الذي يكشف تغلغل الفساد وفكر العصابات في جسد العدالة، يذكرنا في لقطة انسحابه في المحكمة عن الدفاع عن موكله المجرم، بلحظة درامية سبق للمصري عاطف الطيب أن حفرها في وجداننا في ملحمة "ضد الحكومة"، وفيما ركز الكبير أحمد زكي على أداء لم يخل من المسرحية بالاعتماد على الصوت العالي ثم الانكسار الذي لا يخلو من دموع في "كلنا فاسدون"، ذهب الخال ومعه مخرجه الى انفعال أكثر سلاما وردة الى الصوت الداخلي الصوفي الذي يسأل أسئلة وجودية عن معنى الحياة إذا لم يضاف إليها.. كما قال الخيام وكما شعر ابن العربي وكما أداهما سابقا الخال نفسه.

يقول الشاعر الأب في إحدى قصائده: "أنا يا نجوم اشهدي ويا ليالي اسمعي: سأخلق فجرا جديدا.. إذا الفجر لم يطلع.. وأبني غدا يدعيه.. الخلود متى يدعي".

ينظر الابن إلى السماء، يلمح وجه الأب متمثلاً بنجمة متفردة، يبتسم: "أعدك بالأفضل وهو قادم.. كما الفجر الجديد".

طباعة Email