وجوه دراما رمضان 2022

مالك بن سعد.. التونسي الذي يهرب فيتناثر "ملح" في كل مكان!

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

يفرّ المهاجر بين الأزقة مثل ثعلب يحاصره الصيادون.. على "الضفة الأخرى"، أرض أوروبا التي يقصدها الهاربون من اليأس بقوارب هجرات غير شرعية، لا تقيم "الجنة"، وربما، لا يستعر الجحيم، بل "الصقيع" هو ما يسود.. ضمائر وأخلاق وأرواح باردة جمدها الحذر ورهاب الآخر وحس إنساني شلَّته آلة "الميديا" وحسابات السياسة المتلاعبة، إلى جانب تاريخ حضاري حافل بقلة الثقة وتقبل "الغريب".

في "براري الصقيع الروحي" تلك، بعيداً عن بلاده، يرتجف شاب أسمر ذو شعر مجعد وعينان داكنتان، تونسي الهم والهوية، أفريقي الملمح والأسى، منهزم لإرادة أسرته الفقيرة التي دفعته إلى "الحرق"، أي الهروب عبر اليمّ، بهدف العمل وإرسال المال.

لكن "ليست البطالة في الحومة (الحي الشعبي) هي السبب الوحيد لهجرة الشباب"، كما يشرح الممثل العشريني مالك بن سعد الذي تنضج موهبته تحت إدارة المخرج الأسعد الوسلاتي: "في قارب الحرق نماذج لمآسي كل المجتمع".

 هذا القارب يحمل علامة سيناريست يجمع بين حرفة صحافي وموثق وخيال وإحساس أديب، اسمه عماد عبد الحكيم. لقد أعاد، عبر موسمين دراميين متتاليين لمسلسل "حرقة" نكأ جراح لم تندمل في قلوب التونسيين الذين فجعهم قبل سنوات غرق أكثر من ثمانين مهاجراً بين الرحلة بين بلادهم وإيطاليا. يوم الأحد 3 يونيو 2018 بات ذكرى لمن هربوا من القاع ليدفنوا في قاع آخر لا شيء فيه إلا الملح.. "فاجعة قرقنة".

وها هو الثنائي المتناغم الوسلاتي-الحكيم يرش الملح مرة جديدة على جروح مفتوحة فيحظى بانتباه مشاهدي التلفزة التونسية والعربية وأيضاً العالمية، بأبعادها المتشعبة، ويرمي في وجوه صناع القرار ومخططي التنمية السؤال الأصعب: لماذا؟

تحاول الارتجافة في عيني مالك أن تجد الإجابة.. لقد وصل أخيراً بعد أيام من المعاناة الجحيمية، شاهدنا جلها في الجزء الأول من المسلسل العام الماضي، إلى الضفة الأخرى، لكنه، وهو يحاول أن يجد طرقاً للبقاء، لا ينتبه إلى ملحه الذي ينثره في كل مكان: ملح البحر، ملح الألم، ملح الحلم المتلاشي، ملح دموع أمّ هاربة من فضيحة تزلق رضيعها على أرضية قارب متهالك، ملح زفرات موت رفيق يرمى إلى القعر بلا كفن، ملح المذلة التي يلاقيها المهاجرون في "مركز الإيواء". يحاول الثعلب أن يضيع أثره بين أزقة المدينة الجديدة، لكن ملحه، الآتي معه من زاد الألم، ينتثر في كل خطوة فيدل عليه.

يبشر مالك بموهبة صاعدة ومتطورة.. يكفي أن نراقب ترتيب اسمه بين أبطال العمل على تيترات الجزء الثاني الذي تقدم بمراتب عدة، عما كان عليه في الجزء الأول من العمل، لكي نستدل إلى حجم الجماهيرية التي بات يحظى بها.

 هو الآتي من عروض الكوميديا الارتجالية، مراهقاً بخط في شعره وحقيبة على كتفيه، والكثير من الذكاء الذي يجعله "بطل الجيل"، وتجارب غناء لا تخلو من الراب والتكنو، يمتثل لسطوة الميولودراما وحفرها العميق في "بيت الوسلاتي" الذي يفضل أن يربي عائلته من الممثلين فيه على مدى سنوات، مفضلاً نظرية "الفريق الواحد" المتكرر غالباً، مراهناً على "أبوة إخراجية" لم تخذله إلى الآن.

 ها هو، على سبيل المثال، "مالكه" الحزين، يتوهج أكثر وأكثر ليستحق أن يصبح "فارساً" في مضمار نجوم الشاشة التونسية.

في تلك العلاقة بين مخرج متمرس في السينما والوثائقيات وخبرات عربية وغربية وبين ممثل واعد ما يذكرنا أيضاً بمشاريع مؤثرة عمل عليها شمال أفريقيون في أعمال ناجحة، مثل "السطوح" و"مدام كوراج" الجزائري مرزاق علواش، و"يا خيل الله" المغربي نبيل عيوش. هم أيضاً دخلوا إلى "حوماتهم" وكشفوا الأسترة عن شباب غض يواجع مآزق البطالة واليأس وفقدان الأمل. لكن الفارق، فيما يبدو، أن الوسلاتي يفضل ألا يتخلى سريعاً عن "فرسانه"، فنجدهم يتكررون في أعماله، ويكبرون معه.. ومعنا. 

في اقترابنا من الصيف، ذلك الوقت الذي تهدأ فيه صفحة البحر، ويشتد جشع المهربين وتسخن أوهام الراغبين بالهروب، يتجهز القاع لابتلاع المزيد من ضحايا الملح. أولئك الذين يحرقون قلوب أهاليهم ومحبيهم لنهاياتهم المفجعة على قوارب "الحرقة".

ويظل ذلك التوصيف اللغوي التونسي البليغ لتلك المأساة، وربط معنى "الهجرة عبر قوارب البحر المتهالكة" بكلمة "حرق وحرقة" أبرز اختصار لحجم المأساة. فوحدها جلود الثعالب الحزينة المذعورة على صقيع الغربة والخوف هي رائحة الأوطان.. المحترقة!

طباعة Email