وجوه دراما رمضان 2022

نيللي كريم.. الروح المعذبة التي لا تنكسر!

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تمثل نيللي كريم بكامل كيانها: بكتلة الجسد واتساع الروح. ثم تمد بينهما جسراً، عبر عينين صغيرتين تتسعان بفطرة مدربة على تأمل نماذج كثيرة من الناس، وتخزين طباعها وشكل تجاربها وأدق تفاصيل العيش المرتبطة بها. 

على هذا الجسر تتمايل أطياف متباينة من الانفعالات تختلف باختلاف الشخصية التي تتقمصها الممثلة ذات الحضور المحبب: شراسة الانتقام العادل ضد بشاعة الظلم في "سجن النسا"، صلابة المرأة وتحملها تبدلات الحياة في "ذات"، مغالبة الدنيا والاستهتار بقوانينها و"الهلفتة" في "100 وش".. ثم ها هو ذلك الجسر يتمدد في هذا الموسم، لكي يحتمل كل الخبرات والنضج الفني والشخصي الذي تأتى لكريم خلال أكثر من عقدين من الزمن، ويتصل مباشرة بإعجاب واحترام الجمهور لإرادة.. "فاتن أمل حربي".

على شرفة بيت ناءت جدرانه بثقل الأيام ورتابة العلاقة الزوجية السامة، تجلس موظفة "الشهر العقاري"، التي تمضي أيامها وسط فوضى جموع المراجعين وقسوة البيروقراطية، بينما يقرأ شيخ بصوت جليل آيات من الذكر الحكيم في غرفة مجاورة. لقد قالت له لتوها: "أريد أن أغسل روحي" وعيَّنت له الآيات التي ترغب بالاستماع إلى تلاوته لها، ثم خرجت الى البلكونة، وأرخت بحملها وحمل ملايين النساء العربيات الرازحات تحت قسوة الذكور والمجتمع والقوانين، وتركت الدموع تكسو جسر العينين، فأشرقت روح معذبة وتضاءل الجسد، مع لقطة كاميرا "درون" وسعت الكادر وأبعدته شيئاً فشيئاً عن البلكونة، إلى أن أصبح الجسد نقطة ذابت في فضاء البناء المهمل والمتهالك.. مثل أرواحهن!

ثمة في كريم ما يريد الخلاص.. فمعظم الشخصيات التي أدتها في مسيرتها الدرامية، تحديداً خلال سني النضج والانتقاء، شخصيات معذبة تبحث عن شفاء لنفسها بشتى الطرق: الحب، العمل، "اللغوشة"، الإدمان، الجنون، السلطة.. لكنها غالباً ما تراهن على أوهام، فتخذلها الدنيا لكنها لا تستسلم. إنها روح معذبة لن ترضى أو تجد السلام بسهولة، لكنها لن تتوقف عن البحث عنه تحقيقاً لذاتها وأيضاً لذات المجتمع وتوازنها وسطه. تنطلق أدوار كريم من نقطة ذاتية وفردية تذوب بين الجموع، لكنها تجسد جدران البناء الكامل للمجتمع وتسعى إلى ترميمه.

ثمة مصدر آخر لتلك الطاقة المتفجرة من الموهبة والتفرد التي تركن إليها كريم في زادها التمثيلي: الأمومة. في داخل تلك "الفراشة" التي "بتميل فيميل النيل" (كما تعبر الأغنية السينمائية المؤثرة التي رقصت على أنغامها ذات فيلم) خصوبة إبداعية مردها طاقة أمومة فطرية عارمة، تحضر في كل انفعالاتها، حتى لو لم تكن في لباس شخصية أم.

ذلك الدفق الطبيعي من إرادة الحياة، والرغبة العنيدة في إحلال العدالة وحماية الغير، لا يمكن إلا أن يكون الوجه لآخر للخير الأمومي. خير كبير يقود، بوعي أو لاوعي، أداء كريم. فكيف إن اجتمع ذلك مع تمثيلها واقعاً لدور أم تكافح لكي تحمي بناتها أو أبناءها؟ حينها لن تتردد تلك العينان عن إظهار أشرس الانفعالات وأقواها أثراً على الشاشة، لتصبح مشاهد حمايتها لطفلها في عربة ترحيل السجناء، أو البحث عنه خارج فخ الضعف وأسوار الجنون أو اللعب معه ومناغشته حين يقرر تبني قطة.. من المشاهد التي لا يمكن نسيانها.

في رحلة إنسانية شخصية تتداخل معها رحلة إبداعية ثرية، تتبدل أحوال الفراشة، وألوانها وشجونها، لكنها تصر دوماً على التحليق، وتجعلنا نحن المشاهدين المأخوذين بروعة أدائها وتفرده، في مزاج ربيعي دائم!

طباعة Email