34 عاماً مرت على كارثة تشيرنوبل النووية، التي وقعت قرب مدينة بريبيات شمالي أوكرانيا (السوفييتية سابقاً)، وعلى مدار هذه السنوات، لم تفلت هذه الكارثة من المعالجة السينمائية، فأطلت عبر مجموعة من الأفلام الوثائقية والسينمائية والأعمال التلفزيونية، لعل آخرها كان مسلسل «تشيرنوبل» الذي كتبه كريغ مازن وأخرجه يوهان رينك. 

وأُنتج المسلسل بشراكة بين شبكتي إتش بي أو الأمريكية وسكاي البريطانية، واستطاع عبر حلقاته الخمس أن يحدث هزة واسعة بين متابعيه. وما إن مضى المسلسل القصير بحلقاته الخمس، حتى أطلت نتفليكس بفيلم (Chernobyl: ِAbyss) للمخرج الروسي دانيلا كوزلوفسكي.

والذي البس الكارثة «ثوباً إنسانياً»، معيداً سرد حكاية الكارثة من منظور مختلف، ركز فيه على الجانب الإنساني، ليأخذنا في دهاليز الحدث من خلال قصة حب إنسانية، يلعب بطولتها رجل الأطفال «اليكسي» (المخرج والممثل دانيلا كوزلوفسكي) وحبيبته السابقة «أولغا» (الممثلة أوكسانا أكينشينا).

على مدى ساعتين وربع تقريباً، يمدد دانيلا كوزلوفسكي الحكاية، مانحاً إياها ما تحتاج إليه الحلول الإخراجية من مساحات، مازجاً فيها بين الروائي والوثائقي، مقدماً الحكاية في قالبها الزمني الصحيح، ممهداً للكارثة بتفاصيل تتعلق بالعلاقة بين اليكسي وأولغا، والتي نبدأ بفهم خيوطها لاحقاً.

فالعمل لا سيما في بدايته يلقي الضوء على «اليكسي» الذي يعيش يومياته (قبل حدوث الكارثة) كرجل إطفاء عادي، يشاء القدر أن يلتقي صدفة مع حبيبته السابقة أولغا، خلال زيارته لصالون الحلاقة.

حيث تعمل هي، لتعتلي المفاجأة ملامح كلاهما، حيث يعتقد كل واحد منهما أن الآخر قد رحل من بريبيات إلى كييف، ولكن ذلك لم يحدث في الواقع، وتالياً يكتشف اليكسي أن لديه طفلاً من اولغا، يبلغ من العمر 10 سنوات، ذلك الطفل يعشق التصوير، والسينما ويعلق بوسترات «الأفلام الأمريكية» على جدران غرفته، الأمر الذي يزيد من تعقيد العلاقة بينهما، وتعيد تعميقها في النفس، لا سيما وأن الطفل يحمل اسم «اليكسي» الذي يحظى على الفور بمكانة خاصة في قلب «والده».

تلك العلاقة الإنسانية لا تظهر بريقها في بدايات الفيلم، ولكنها تبدأ بالتجلي بمجرد أن يحدث الانفجار ويبدأ المفاعل النووي بلفظ «إشعاعاته في فضاء المدينة» مخترقاً من خلالها أجساد الناس الواهنة أصلاً، والذين تبدأ السلطات بإجلائهم من المكان، أملاً في «الحد من عدد الإصابات بالإشعاع»، وتمهيداً للسيطرة على المفاعل، الذي يتحول إلى «قنبلة موقوته قد تنفجر في أي لحظة».

انفجار المفاعل النووي لم يحدث تغييراً في المدينة وحياة سكانها فقط، وإنما يسحب تأثيره على مسارات الفيلم، وذلك يتحدد مع تغيير «اليكسي» لخط سيره، ليعود إلى مدينته بعد أن كان متوجهاً نحو كييف، تنفيذاً لقرار نقله إليها، ليبدأ بمساعدة رفاقه من رجال الإطفاء في مكافحة النيران الملتهبة في المفاعل، ليشهد تساقطهم واحداً تلو الآخر، بسبب تعرضهم لمستويات عالية من الإشعاع، الذي تبدأ معه أجساد الناس بالتساقط، والطيور أيضاً.

إبداع المخرج دانيلا كوزلوفسكي يتجلى على الشاشة في المشاهد التي تلي الانفجار، فالحرائق المندلعة في المكان، تبدو لوهلة بأنها عادية، ولكنها في الواقع خلاف ذلك، استطاعت أن تثير الرعب والخراب في المكان، وأن تطلق جرعات عالية من الإشعاع، فيما نشهد وسط هذه الحرائق بعض اللقاءات التي تجمع أولغا واليكسي، ونتابع حواراتهم المقتضبة التي يقطع خلالها اليكسي «وعوداً» لا يفي بها بحسب وجهة نظر اوليغا، التي تتهمه بمواصلته التخلي عنها وابنها الذي يشغلها بشكل دائم.

ولكن في المقابل، نتابع «اليكسي» وهو يغوص في المياه الملتهبة، من أجل «فتح الصمامات» التي تسمح بتدفق مياه جديدة قادرة على تبريد المفاعل النووي، لضمان عدم انفجاره ثانية. «اليكسي» يقبل بهذه المغامرة، من أجل انقاذ طفله الذي يتعرض لجرعة عالية من الإشعاع، ليكون شرطه الوحيد لقبول هذه المغامرة، هو موافقة «السكرتير العام للحزب الحاكم» على إرسال ابنه إلى سويسرا من أجل تلقي العلاج المناسب.

دانيلا كوزلوفسكي، عبر هذا الفيلم، ينجح في صياغة خطوط درامية جميلة، يصب فيها تركيزه على العاطفة، ويلعب فيها على وتر المشاعر الإنسانية، ولكن اللافت في العمل إنه لم يسع إلى «تقديم الرواية الرسمية للحدث»، متوسداً فيه حكايات شخصيات آثرت أن تضحي بنفسها من أجل إنقاذ الآخرين، معتمداً على حوارات مقتضبة وموسيقى تصويرية معبرة بشكل دقيق عن الحدث.