منذ 2012، عندما قدم فيلمه الأول «ظاهر القمبوعة»، تمكن المخرج الإماراتي عبد الرحمن المدني من إيجاد موطئ قدم في رحاب السينما الإماراتية، ليبدأ برفدها بسلسلة أعمال جلها تنتمي إلى فئة «القصير»، عبرها يفتش بين أوراق المجتمع، ملقياً الضوء على قضاياه، خالقاً منها «عيناً» على المجتمع.

المدني الذي واصل حضوره على الساحة أخيراً بفيلم «الوحش»، ينتمي إلى «سينما المؤلف»، ويعتقد أنه يتوجب عليه التفوق في سرد قصصه الخاصة قبل أن يتحول نحو الروايات، وفي حديثه مع «البيان» يقول إن «السينما المحلية تعاني من نقص في الأفلام الفنية»، مبيناً أن «حكاياته المصورة تعكس رغبته في بدء حوار حول مواضيع لم يسبق مناقشتها».

في فيلمه الأخير «الوحش» الذي صوره في 5 أيام، يفتح المخرج المدني دفاتر العنف الأسري، ليقدمه على الشاشة الكبيرة، وبحسب تعبيره، فهو يسعى إلى توضيح «الضغط الذي يمارسه المجتمع على المرأة». ويقول: «قد لا تكون هذه المرة الأولى التي يطرح فيها هذا الموضوع سينمائياً، ولكني أعتقد أني تعاملت مع المشكلة من منظور جديد، فالعمل يسلط الضوء على زوجة شابة عالقة في زواج مسيء مع زوج نرجسي»، ويؤكد أنه قام لأجل هذا العمل، بعملية بحث مكثفة حول موضوع النرجسية وتأثيره في العلاقات، ويقول: «تعكس القصة الضغط الذي يمارسه المجتمع على المرأة لتحمل زواج مسيء للمحافظة على أسرتها، لأن الطلاق لا يزال ينظر إليه بازدراء خاصة مع العائلات التقليدية».

حقائق

يبدي المدني عبر أفلامه اهتماماً بالقضايا الاجتماعية، ويعتبر أن «السينما أداة قوية لإظهار بعض الحقائق المخفية تحت البساط»، ويقول: «ما يدفعني في رواية القصص هو رغبتي في بدء حوار حول مواضيع لم يسبق مناقشتها، وأشعر بأننا كمجتمع نميل ناحية تجاهل مشكلاتنا، والتركيز على إظهار صورة مثالية عن أنفسنا، كمحاولة لإخفاء حقيقتنا، ولذلك أجد في السينما طريقاً فعالاً لبدء حوار حقيقي». ولكن المدني لا يرى أن بوصلة السينما يجب أن تشير دائماً إلى القضايا والظواهر الاجتماعية، ويقول: «السينما لا يجب أن تعالج القضايا الاجتماعية، وهي ليست مسؤولة عن تقديم حلول للمشكلات، وفي تقديري أن وظيفتها تتمثل في أخذ المشاهد برحلة مع شخصية تمر بحالة ما»، ويضيف: «أنا أؤمن بإيصال رسائل غير مباشرة من خلال الفيلم، وأعتبر أن أي فيلم يفرض رسالته بشكل مباشر على المشاهد، هو فيلم توعوي وليس سينمائياً».

تمتاز أفلام المدني بانتمائها إلى «سينما المؤلف»، حيث كافة سيناريوهات أفلامه تحمل بصمته الخاصة في التأليف، وعن سبب عدم توجهه إلى الروايات المحلية لاستلهام نصوص يمكن تحويلها إلى مشاهد سينمائية، يؤكد أن «تحويل الرواية إلى فيلم هي عملية معقدة». ويقول: «أعتقد أنه يجب علي التفوق في سرد قصصي الخاصة أولاً حتى أكون مؤهلاً لبدء تحويل الروايات إلى أفلام. إنها عملية صعبة؛ لأن معظم الأفلام المصنوعة من الروايات تخضع للنقد؛ لأن المدة المحدودة للفيلم لا تسمح بسرد كافة التفاصيل التي تتضمنها الرواية».

منافسة

المتابع للسينما الإماراتية، يمكنه تلمّس القفزات التي حققتها أخيراً، حيث نجحت في اقتحام الصالات التجارية، وإثبات قدرتها على المنافسة، وفي هذا الصدد، يرى المدني أن «النمو في صناعة الأفلام التجارية، هو خطوة نحو الأمام، يمكنها أن تأخذ السينما المحلية نحو مستويات جديدة»، ويقول: «رغم ذلك، هناك نقص واضح في الأفلام الفنية، وتحديداً منذ غياب مهرجانات السينما المحلية، وهذه تعتبر خسارة كبيرة للسينما الإماراتية»، مؤكداً أهمية وجود «توازن بين الأفلام التجارية والمستقلة، لضمان ازدهار السينما في هذه المنطقة، لكن ذلك لا يمكن أن يحدث من دون دعم حقيقي للأفلام».

فيلم طويل

في جعبة المدني، مجموعة أفلام، تشترك معاً في انتمائها إلى «الفيلم القصير»، فيما عينه لا تزال مفتوحة على الروائي الطويل، وعن سبب تأخره في ذلك، يقول: «أعتمد في صناعة الأفلام القصيرة على التمويل الذاتي، وهذا يحتاج سنوات لجمع مبلغ مناسب لإنتاج فيلم واحد. وأعتقد أن الاعتماد على التمويل الذاتي لا يعد أمراً منطقياً على المدى الطويل، خاصةً في ظل الوضع الراهن للسينما في المنطقة، إلا أن ذلك لا يجب أن يكون مدعاة للاستسلام».