مهرجانات السينما العربية في أوروبا.. جسور تواصل مع العالم

تبدو مهرجانات السينما أحياناً ضرباً من الرفاهية، خصوصاً في بلدان تعودت إنتاج عشرات الأفلام سنوياً، يشاهدها الناس بحثاً عن الترفيه، ولكنها في الواقع تقدم صوراً مختلفة عن واقعهم ومجتمعاتهم، وتعبر بصورة أو بأخرى عن قضاياهم وأحلامهم ونظرتهم نحو الآخر، وحتى المستقبل، تلك هي جماليات الفن السابع، الذي تحتفي به دول العالم سنوياً بعشرات المهرجانات، في وقت تتجاوز فيه إنتاجات صناع الأفلام العرب حدود منطقتنا، لتحط رحالها في مهرجانات صممت خصيصاً للسينما العربية تستضيفها سنوياً أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى لا تنطق العربية، تتنافس فيما بينها على اقتناص أفلام عربية، أتقن صناعها جيداً قراءة المشهد، وعرفوا «خبايا الصناعة»، ونجحوا في تقديم صورة عن واقع مجتمعاتهم العربية، متوسدين ما قاله المخرج الإيطالي الراحل فرانك كابرا يوماً بأن «الفيلم واحد من ثلاث لغات عالمية».

 

عنوان بارز


في أوروبا وأمريكا، تطول قائمة المهرجانات السينمائية العربية، وبلا شك إن كثرتها تثير سؤالاً حول أهميتها، وانعكاساتها على السينما العربية، لا سيما وأن معظمها باتت تشكل خلال السنوات الأخيرة عنواناً بارزاً لاستكشاف إبداعات السينما العربية، ونجحت في تأسيس جسر للتواصل بين المنطقة العربية وبقية دول العالم، وتمكنت من كسر نمطية الصورة المرسومة عن مجتمعاتنا العربية في الفكر الغربي، عبر تقديمها صورة حقيقية عن الواقع العربي.

 

في حديثه مع «البيان» اعتبر محمد قبلاوي – مؤسس ومدير مهرجان مالمو السينمائي، أن هذه المهرجانات تعزز من الحوار بين الثقافات والجنسيات المختلفة التي تتشارك العيش في المدن والعواصم الأوروبية المختلفة. وقال: «بتقديري أنه وعبر هذه المهرجانات، نحن نقوم بتعريف الثقافة العربية وتقديمها إلى الجنسيات الأخرى، عبر لغة بصرية تستطيع الوصول إلى ذهن ومشاعر الجمهور الأوروبي بشكل سريع وتلقائي، فضلاً عن أن قدرة هذه المهرجانات على ربط المغتربين العرب، مع وطنهم الأم».

 

شق اقتصادي


قبلاوي في حديثه لم يغض الطرف عن الشق الاقتصادي الذي يترافق مع هذه المهرجانات، حيث قال: «هناك شق اقتصادي مهم، يتمثل في توزيع الفيلم العربي في رقعة جديدة من هذا العالم، حيث استطاعت المهرجانات فتح سوق جديدة للسينما العربية». وأكد أن هذه المهرجانات ساعدت في انتشار الفيلم العربي في أغلب المدن الأوروبية. وقال: «أصبح للفيلم العربي تواجد كبير في المهرجانات العالمية المهمة في أوروبا والعالم كله»، منوهاً بالدور الذي لعبته هذه المهرجانات في إيصال الفيلم العربي إلى أروقة التلفزيونات الأوروبية. وقال: «لقد ساعدت في تعريف الثقافة العربية وتقديمها بشكل حقيقي وواقعي، وقدمت أيضاً صورة واقعية عن الإنسان العربي، وساهمت في كسر الصورة النمطية التي طالما وجدت عند الكثير من الجمهور الأوروبي، وساعدت السينما الأمريكية على تكريسها في أذهانهم».

 

فرصة ثمينة


من جانبها، رأت المخرجة زهرة مفيد، المدير الفني لمهرجان دبلن للفيلم العربي، في مهرجانات السينما العربية بأوروبا «فرصة ثمينة» لتعريف الآخر بواقع المجتمعات العربية. وقالت: «السينما عموماً لديها إمكانيات وقدرات عالية تمكنها من نقل صورة واقعية عن المجتمعات، بغض النظر عن هويتها، ومن هنا تكمن أهمية هذه المهرجانات بالنسبة للسينما العربية، حيث تشكل ساحة واسعة للنقاش وطرح قضايا عدة تتعلق بالمجتمعات العربية، وتقدمها أمام المشاهد الأوروبي، والذي يجد في المقابل فرصة للتعرف إلى هذه المجتمعات وتوجهاتها واكتشاف أصولها وواقعها، ما يمكنه من تشكيل وجهة نظر واضحة عن المجتمعات العربية».

زهرة ترى أن المجتمعات العربية مليئة بالحكايات التي تستحق أن تروى، وتقول: «في منطقتنا العربية حكايات كثيرة، تستحق أن تحول إلى أعمال سينمائية جيدة، ولدينا أيضاً أسماء سينمائية بارزة، نجحت في ترك بصمة لافتة في المشهد السينمائي، تستحق أن تقدم أمام المجتمعات الأخرى، لتدرك حجم الإبداع الموجود لدينا». وأشارت زهرة إلى أن التجربة هي «خير برهان».

 

إثارة الأسئلة


وقالت: «الأفلام هي الأقدر دائماً على إثارة الأسئلة لدى المتفرج، ومن خلالها يمكن فتح آفاق للنقاش مع الآخر، وذلك ما لمسناه من خلال تجربتنا في مهرجان دبلن للفيلم العربي، والنقاشات التي عادة نشهدها بعد تقديم عروض لأفلام عربية». وأضافت: «الكل يرغب في التعرف إلى المجتمعات العربية، وواقعها، وهنا تكمن جماليات الأفلام»، وبينت زهرة أن نجاح عروض مهرجان دبلن للفيلم العربي، قادتها بالتعاون مع المخرج الإيرلندي جيم شيريدن إلى إطلاق مسابقة خاصة بالأفلام القصيرة العربية، قد ترى النور في يناير المقبل. وقالت: «لم نعد نكتفي في المهرجان بالأفلام الطويلة، فنحن نرغب أيضاً بالقصير الذي يقدم للمتفرج وجبه درامية مكثفة نابعة من واقع المجتمعات».

 

منصات تواصل


أما الناقد السينمائي الكويتي عبد الستار ناجي، فاعتبر أن هذه المهرجانات بمثابة «جسور ومنصات للتواصل مع العالمية». ويقول: «تمثل المهرجانات السينمائية الخاصة بالسينما العربية في أوروبا جسوراً ومنصات للتواصل مع السينما العالمية، وأعتقد أن هذه المهرجانات استطاعت أن تؤمن حاضنة حقيقية وفضاء خصب للانطلاق بالسينما العربية نحو فضاءات أبعد وأوسع» وتابع: «تحتضن أوروبا تجارب كثيرة في هذا الشأن، ولعل أبرزها من وجهة نظري الدور الذي يضطلع به مهرجان مالمو للسينما العربية، والذي استطاع أن يحلق عالياً في فضاء الإبداع السينمائي، وأن ينال انتباه القيادات الثقافية وحتى السياسية في السويد وبقية الدول الاسكندنافية».

وأشار إلى أن مالمو إذا كانت تفتخر بإنجازاتها مثل ايكيا والبلوثوث وغيرها، فهي باتت تفخر أيضاً بعرس السينما العربية الذي بات أحد مواعيدها الثقافية والفنية المهمة، مضيفاً: «مالمو السينمائي ليس يتيماً في هذا المجال، فهناك تجارب أخرى تستحق الالتفات مثل روتردام للسينما العربية في هولندا ومهرجان زيوريخ للفيلم العربي في سويسرا، ومهرجان الشرق الخاص بأفلام المرأة في جنيف، ومهرجان الفيلم العربي في برلين وهكذا مهرجان السينما العربية في باريس، وتطول قائمة المهرجانات التي راحت تحتفي بالسينما العربية وبجديدها ومبدعيها من صناع الفن السابع»، مؤكداً ضرورة قيام المؤسسات الثقافية والإعلامية والفنية العربية بتقديم الإسناد والدعم المادي والمعنوي لتلك الجهود والمبادرات الحاضنة للسينما والإبداع الفني العربي في أوروبا.

طباعة Email