Mank تحية إجلال لكاتب فيلم «المواطن كين»

قد لا تبدو مشاهدة فيلم «مانك» (Mank) للمخرج ديفيد فينشر مريحة للبعض، كونه يأتي على صيغة أفلام الأبيض والأسود القديمة، لكن جماليته تكمن في كونه يسترجع صناعة الأفلام في هوليوود خلال ثلاثينات القرن الماضي.

حيث كانت مختلفة في تقنياتها وطريقتها وتفاصيلها أيضاً، لكن المخرج ديفيد فينشر بدا فيه واضح المسار، مسلطاً الضوء على كواليس صناعة فيلم «المواطن كين» (Citizen Kane) للمخرج أورسن ويلز، حيث بدا «مانك» بمثابة تحية لكاتب نصه السيناريست هيرمان جي. مانكوفيتش، والتحديات التي رافقت مسيرته، لا سيما خلال صناعة فيلم «المواطن كين».

قبل المضي قدماً في الحديث عن فيلم «مانك» الذي حجز أخيراً مقعده في ترشيحات الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم، لا بد من التذكير بأن فيلم «المواطن كين» يعد واحداً من أبرز التحف السينمائية التي أطلت على الملأ على طول تاريخ هوليوود، فلا يزال بريقه لامعاً حتى الآن رغم مرور 80 عاماً على صدوره.

حيث استطاع «المواطن كين» أن يقلب موازين الصناعة برمتها، إبان صدوره تمت محاربة الفيلم من قبل وليم راندولف هيرست، إمبراطور الإعلام في أمريكا آنذاك، لدرجة وصلت إلى حدود منع «المواطن كين» من العرض في صالات السينما الكبيرة، إلا أنه عاد بعد سنوات إلى الواجهة واستطاع أن يحقق النجاح وأن يتوج بأوسكار أفضل سيناريو، أهمية «المواطن كين» تكمن في كونه لا يرتكز على حبكة واحدة.

وإنما يتناوب على مجموعة من الحبكات أو العقد، التي تمتزج مع بعضها البعض، لتظهر لنا بناءً درامياً متكاملاً. فالقصة الرئيسية تتحدث عن الطفل كين الذي كان يلهو بزحافته الثلجية في منطقة باردة، حينما جاء المصرفي تاتشر ليوقع عقداً مع أم كين على أن تتنازل عن الأرض لوجود منجم للفضة فيها، لقاء ثروة باسم الطفل، على أن يستفيد منها عند سن البلوغ. وهكذا يُصبح تشارلز كين الطفل في رعاية تاتشر رغم احتجاجاته وعدم رغبته في مغادرة مدينته.

سيرة ذاتية

«مانك»، وهو ثاني فيلم سيرة ذاتية يتولى ديفيد فينشر عملية إخراجه، لا يعيد سرد قصة فيلم «المواطن كين» وإنما يذهب في اتجاه مختلف، من خلال استعراض كواليس العمل عليه، وفيه يستند فينشر على نص يحمل توقيع والده الراحل جاك فينشر، يتناول فيه سيرة الكاتب الحقيقي لفيلم «المواطن كين»، وهو «هيرمان جي. مانكوفيتش»، الذي ساهم عبر نصوصه وكتاباته الذكية وحواراته المثيرة، في نقل استوديوهات هوليوود من السينما الصامتة إلى الناطقة.

ولكن هيرمان كان يتميز بكونه «الكاتب الشبح»، فاسمه لا يظهر إلا نادراً على تتر الأفلام، ومن بينها «المواطن كين»، والذي أثار بفضل سرديته ورؤيته البصرية، جدلاً واسعاً دعت النقاد إلى البحث ملياً عن الكاتب الحقيقي لهذا العمل، لتبين كافة المؤشرات بأن هيرمان مانكوفيتش أو «مانك» هو الذي تولى المهمة بالكامل، لتدحض هذه المؤشرات ادعاءات أورسن ويلز بمشاركته في كتابة العمل.

فيلم ملهم

من عنوانه يبدو «مانك» فيلماً ملهماً ومهماً في الوقت ذاته، خاصة وإننا نتتبع فيه حياة هيرمان (الممثل غاري أولدمان)، ونعاين رحلته العقلية والجسدية وطريقة تأليفه لنص «المواطن كين»، ولعل ما يميز هذا العمل وكذلك نصه، هو طريقة المزج بين الماضي والحاضر، مظهراً حالة السيناريست «مانك» إبان الأربعينيات.

وخلال مكوثه في عزلته بسبب الإصابة التي يتعرض لها نتيجة انقلاب السيارة التي كانت تقله إلى نيويورك، ومحاولاته انجاز سيناريو متكامل خلال 60 يوماً فقط، بناءً على طلب اورسن ويلز، الذي يقف خلف عدسات الكاميرا، في حين يتأرجح «مانك» بين شرب الكحول ومحاولة التعافي من إصابته.

وما بينهما يبدأ باستعادة ذكريات حياته، وتحديداً الفترة التي عايش فيها رجل أعمال فاحش الثراء يدعى ويليام رودلف هيرست (امبراطور الإعلام الأمريكي) وحبيبته الممثلة التي تصغره سناً ماريون ديفيز.

ديفيد فينشر في فيلمه «مانك» يبدو منذ المشهد الأول، أنه يتبنى قاعدة أن مانك هو الكاتب الحقيقي لفيلم «المواطن كين»، وإن أرسون ويلز كان مغروراً ويقف بانتظار جاهزية النص لتنفيذه. المتابع للفيلم يشعر لوهلة إن الحكاية برمتها تدور حول «مانك» وليس «المواطن كين»، كما يمكن أن يتلمس ذكاء الراحل جاك فينشر في صياغة النص.

حيث يمنح فيه «مانك» بعداً سياسياً «تخيلياً»، ليكشف أمامنا ما تمتلكه السينما من تأثيرات، ودورها في صناعة «البروباغندا» على الجماهير، حيث يتواءم ذلك مع طبيعة التوقيت الذي يذكرنا بصعود هتلر وحزبه النازي وسياسته الإعلامية، التي اعتمدت التلاعب على وتر التأثير البصري والسمعي.

سيرة ذاتية

«مانك» يقدم لنا سيرة ذاتية صافية لشخصية هيرمان جي. مانكوفيتش، بكل تحولاتها وتأثيراتها، وقد انعكس ذلك على طبيعة التحولات الدرامية أحياناً والكوميدية في أحيان أخرى التي نشهدها في العمل، الأمر الذي حماه من السقوط في فخ الرتابة والملل، في الوقت ذاته لعبت رؤية ديفيد فينشر الإخراجية دوراً مهماً في تقديم هذا العمل، والتي اتبع فيها أسلوباً جميلاً في التصوير، قادراً على إثارة التساؤل في النفس، ولعل جنوح فينشر، صاحب أفلام (Zodiac) و(The social network)، و(Fight club) إلى تقديم العمل بالأبيض والأسود، وفق المعايير التي كانت سائدة في هوليوود إبان الأربعينيات وما قبلها، قد شكل نقطة قوة له، رغم أن تبني هذه النظرية يعد مغامرة محفوفة بالمخاطر.

على مستوى الأداء، نجح الممثل غاري أولدمان، في تجسيد شخصية «هيرمان»، حيث قدم أداء جميلاً ولافتاً، والأمر كذلك انسحب على أداء الممثلة ليلي كوينز، في دو سكرتيرة مانك (ألكساندرا)، فقد نجحت بأن تكون محور ارتكاز الفيلم والقصة بشكل عام، فهي المساعدة التي من دونها لما تمكن هيرمان من تأليف فيلم «المواطن كين».

 

طباعة Email