«اللعب النظيف كذبة، ابتكرها الأغنياء لتظل بقيتنا فقراء... ثمة فئتان من الناس في هذا العالم، من يستفيدون ومن يستغلون، مفترسون وفرائس، أسود وكبائش... اسمي «مارلا غرايسون» وأنا لست كبشاً..»، ذلك جزء من مقدمة فيلم «أهتم كثيراً» (I Care a lot) للمخرج جيه بلاكسون، جمل تلقيها على مسامعنا «مارلا» (الممثلة روزماند بايك)، لتمهد لنا الدخول إلى حكاية الفيلم الذي غلفت أحداثه بالإثارة والكوميديا السوداء، ليطلعنا على فساد النظام الاجتماعي، وثغرات القوانين، وكيف يتم استغلال كبار السن من أجل الاستيلاء على أموالهم وممتلكاتهم، حكاية تنفرد روزماند بايك في عزف لحنها، بينما يسير الآخرون في ظلها.

يبدو فيلم «أهتم كثيراً» مشروعاً جيداً، استفادت منه روزماند بايك لتعود عبره للسير على الخط الصحيح، الذي حادت عنه بعد تقديمها فيلم (Gone Girl) قبل 7 سنوات، حيث وقفت آنذاك أمام الممثل بن أفليك، ومكنها من إيجاد موطئ قدم لها على قائمة ترشيحات الأوسكار التي أصابت فيلم (Gone Girl)، ولكن روزماند بايك لم تحافظ على تلك الخطوة، فسرعان ما أصيب معظم المشاريع السينمائية التي مضت بها بفشل واضح.

 

 


كشف الموهبة

في «اهتم كثيراً»، تعود روزماند بايك، لتكشف عن موهبتها في الأداء، حيث ترتدي فيه ثوب «مارلا» الفتاة الموهوبة في عمليات الاحتيال على الناس، مستغلة ثغراث القانون، وهي شخصية تفوقت فيها روزماند كثيراً على شخصتها التي أطلت بها في «غون غيرل»، لما اتسمت به من صرامة وخبث، وقدرة على الإيقاع بالآخرين، وسلبهم ذواتهم وحياتهم ومقدراتهم.

أحداث «أهتم كثيراً» تدور حول مارلا غرايسون، المخادعة التي تعرف كيف ترغم القضاء على منحها حق الوصاية على كبار السن، الذين يعيشون بمفردهم، حيث تقوم بإيداعهم في دور رعاية المسنين، وتتولى إدارة أموالهم وممتلكاتهم، والتي تتصرف بها وفق ما تشاء، تلك العملية تحاول مارلا تطبيقها على «جنيفر بيترسون» (الممثلة ديان ويست) التي يتبين لاحقاً أنها والدة أحد زعماء المافيا الروسية، الأمر الذي يدخل مارلا في دوامة من التخبط والعنف والإثارة، التي تهدد حياتها، بينما تقف عملياتها على شفى حفرة من الانهيار. تلك الأحداث يمددها جيه بلاكسون على مدار ساعتين تقريباً، يمكن تقسيمهما إلى جزأين، الأول بدا فيه الفيلم مشدوداً في صياغته وتفاصيله ومثيراً بأحداثه، بينما جاء الثاني مترهلاً وسريعاً في معالجاته الدرامية، وهو ما يجعلك تسقطه سريعاً من ذاكرتك.

 

 


فيلم ضخم

جيه بلاكسون الذي تولى بنفسه صياغة سيناريو العمل، استطاع أن يقدم عملاً يمكن وصفه بـ «مشروع فيلم ضخم»، فقد نجح في تركيز الحكاية في النصف الأول، مقدماً إياها بطريقة مشوقة ولافته، ومقنعة تماماً للمشاهد، حيث التزم فيه بلاكسون بمعايير القصة السينمائية، ليس فقط من حيث توزيع الأحداث، وإنما الشخصيات أيضاً، رغم أن المساحة الأوسع كانت من نصيب روزماند بايك، كما نجح فيه بحماية النص من المبالغة الدرامية، مقدماً «مارلا» كشخصية قوية واثقة من نفسها كثيراً، قادرة على ارتداء قناع امرأة مخادعة وذات عقلية إجرامية، وقناع سيدة مجتمع ترفض الرضوخ لظروف الحياة، وتسير على قاعدة «إما أن تكون أسداً أو كبشاً»، وهو ما حاول المخرج المحافظة عليه طوال مدة الفيلم، الذي بدا خفيفاً، رغم طرحه لقضية مهمة في المجتمع، ولكن في المقابل يخفق العمل في اقتناص الفرصة لانتقاد النظام الاجتماعي، الذي يخدم الفيلم كإطار ساخر، خصوصاً في النصف الأول منه والذي سيكون من الصعب عدم الاستماع به.

 

 

 

 


نقد المجتمع

«أهتم كثيراً» كان بالإمكان أن يكون أكثر ذكاءً وحدة في نقده للنظام الاجتماعي، ولكن تناقضات نصفه الثاني، وتحديداً بعد محاولة «رومان لونيوف» (الممثل بيتر دينكلاج) التخلص من «مارلا» وصديقتها فران (الممثلة ايزا غونزاليس)، تبدأ بالتراكم لتغرق الفيلم في دوامة من الحشو والسرعة، ليفقد معها المخرج قدرته في المحافظة على التناغم بين شخصيات الفيلم وكافة المواقف التي نشهدها فيه، ما قد يولد انطباعاً بأن المخرج بلاكسون قد ركز الحكاية في النصف الأول، بينما اعتمد في النصف الثاني على تقديم مواقف وأحداث غير منطقية، أفقدت الفيلم الكثير من أناقته.

فيلم «اهتم كثيراً»، كان من الممكن أن يكون عملاً لامعاً، وأن يتحول إلى مشروع فيلم جميل، لولا اعتماد المخرج لا سيما في النصف الثاني، لمعالجات درامية سهلة وغير منطقية، خصوصاً في النهاية التي تفقد فيها مارلا حياتها، حيث كان بالإمكان أن يتم تقديم معالجة درامية أخرى، تكون أكثر جمالاً وألقاً.