THE WHITE TIGER.. بوليوود تتخلى عن ماكياجها

عن «سكة» بوليوود، خرج فيلم «النمر الأبيض» (The White Tiger)، ليتبع خطى «المليونير المتشرد»، و«صندوق الطعام»، فمنذ مشهده الأول تشعر بعدم التزامه بتقاليد الصناعة الهندية التي يزيد عمرها على 100 عام، حيث آثر التمرد عليها، كما بطله «بالرام حلوائي» الذي رفض البقاء في «القن»، واستطاع تحرير نفسه من حبل العبودية الذي يلف رقاب الآلاف من أبناء بلده. ليخرج من دائرة «الهند المظلمة» إلى «الهند اللامعة»، مقدماً لنا دراما شديدة الواقعية، تخلت عن «ماكياج» بوليوود وبريق أغنياتها.


«النمر الأبيض» للمخرج رامين باهراني، والمستوحى عن رواية آرفيند أديغا، حكاية يصعب مقاومتها، فهي تمتلك القدرة على أن تسكن الذاكرة طويلاً، «كوميديا سوداء» خلت تماماً من «البهارات الهندية» التي تعودنا تذوقها على موائد بوليوود. فيها نجوب شوارع الهند، بدءاً من إحدى القرى النائية، ومروراً بدلهي، وليس انتهاءً ببنغالور، لنكتشف خلال رحلتنا مدى قساوة المجتمع ووحشية الواقع، ونعاين عبر عيني «بالرام حلوائي» التفاوت الطبقي الرهيب المتمثل في عائلته وسكان قريته، وعلى نقيضها عائلة رب عمله التي تعمل في تجارة الفحم وتحصيل «الإتاوات» من القرى الصغيرة، ليبين لنا أن المجتمع برمته يتأرجح بين طبقة عليا وأخرى دنيا، ولا شيء بينهما، كما يصفه لنا «بالرام» الفتى الهندي القروي البسيط، الذي يرتدي في الفيلم ثوب «الخادم» أو «العبد»، إن صح التعبير، ولاحقاً عباءة «رائد الأعمال أشوك»، وهو أيضاً الراوي الذي يسرد على مسامعنا، وبكل سلاسة، تفاصيل الحكاية، التي يمنحنا فيها الفرصة لأن نعاين الناس، وأن نقرأ ملامحهم، ونستمع إلى قصصهم، التي يرويها لنا «بالرام» الذي يستطيع الهرب بسهولة من الشرطة، بعد إقدامه على قتل سيده، مبرراً ذلك بـ «ملامحه التي تشبه الآلاف من أبناء بلده».



 

 


 

كشف المستور

كلما توغلت في مشاهدة الفيلم الذي يعرض على نتفليكس، تعمقت أكثر في «تلابيب» المجتمع الهندي واكتشاف المستور، فيما تبدو حواراته أشبه بسوط يلسع ظهر الإنسانية، يذكرنا بأولئك الذين لا زالوا يعيشون في «أتون العبودية» أو في «قن الدجاج» كما يفضل «بالرام» تسميتها، ولا يمتلكون الجرأة على مغادرته إلا على طريق الموت. عبر مشاهد الفيلم تدرك أن «بالرام» لم يكن الوحيد الذي يعيش في جحور «العبودية»، فمن قبله كان والده وشقيقه الأكبر، والذين خضعوا جميعاً لسلطة الجدة، تلك المتحكمة في مصائرهم، فهي الآمر والناهي في العائلة، وهي التي تقرر كل شيء فيها حتى نوعية الطعام، تدعوهم لأن يقبّلوا «قدم سيدهم»، كما دأب أهل القرية على القيام بذلك.

المدقق بين سطور الحكاية التي يرويها «بالرام» ويجمعها في «رسالة يوجهها إلى رئيس الوزراء الصيني الذي يزور البلاد»، يجد نفسه متأرجحاً بين أحبال التناقضات الدينية، والواقع السياسي بما يحمله من صراعات حزبية تتراوح بين الاشتراكية والرأسمالية وانعكاسها على تلك الفترة بالهند، بالإضافة إلى الانتخابات وما يدور في دهاليزها وكيفية إدارتها، ويفتح عينه على الاقتصاد الذي يدور في فلك «نظام ينخره الفساد حتى النخاع»، نظام لا يصغي إلا لمن «يسمن الجيوب» بالرشوة، وهو ما يتعلمه «بالرام» من سيده «أشوك»، ليسير لاحقاً على خطاه، عندما يتحول إلى صاحب شركة سيارات أجرة من 26 سيارة و30 سائقاً في مدينة بنغالور، منتقلاً بذلك من العيش بـ«مناطق العتمة والظلام» كما يسميها إلى «فضاء الضوء والنور».

 





 

فيلم عميق

«النمر الأبيض» فيلم عميق، يتناول أو يشرح لنا شخصية «بالرام» وما يحمله في رأسه من أحلام تمكنه من الارتقاء في السلم الاجتماعي، يحاول أن يشرح لنا الشخصية المعقدة والمركبة، بدءاً من اضطراره لترك تعليمه، ومروراً بانتقاله إلى دلهي ووصوله إلى لحظة «التحول» وبلوغ حافة «التمرد» التي دعته للتخلص من سيده أشوك، ليتمكن بعدها من تحقيق ذاته، بالهرب من «القن» الذي يحبس فيه المجتمع نفسه، رغم ما تعرض له من خسارة تمثلت في فقدانه لعائلته، والذين قضوا نحبهم على يد رجال والد أشوك.

ما حمله العمل من دراما واقعية قوية ومشاهد وتقلبات، لعب فيها المخرج على «وتر حساس»، بلا شك إنها تمثل جواز عبوره نحو جائزة الأوسكار، عن فئة أفضل فيلم أجنبي، فالعمل قريب جداً من بريق الجائزة، بالدرجة التي اقترب فيها من قبله «المليونير المتشرد»، وقد لا يصل إليها، ولكن يبقى أن ما قدمه الممثل أدراش غوراف (بالرام حلوائي) من أداء لافت، يستحق عنه التقدير، فقد أتقن أدراش دور «بالرام»، واستطاع أن يكون علامة تميز الفيلم، فسيكولوجية هذه الشخصية «المربكة» وتفاصيلها المعقدة، لم يكن ليؤديها ممثل ذو قدرات عادية، بحثه عن الذات والتحرر بأدواته البسيطة التي لم يسخرها إلا ليرضي أرباب عمله، وإيمانه بقدراته كـ«النمر الأبيض» الذي لا يظهر سوى مرة واحدة كل جيل، فكل ذلك يستحق عليه أدراش التقدير، وهو الذي شكل العمود الفقري للفيلم، الذي أطلت فيه أيضاً بريانكا شوبرا وراجكومار راو، وماهيش مانجريكار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات