خلال العام الماضي عاش العالم «عزلة فردية»، دخلها بفعل انتشار فيروس «كورونا» المستجد، الذي حول دول العالم إلى أشبه بجزر منفصلة.

ذلك التباعد انسحب أيضاً على البيوت والشوارع التي خلت من الناس الذين دخلوا طواعية «عزلهم الصحي»، حتى بتنا جميعاً حبيسي الجدران لا نتواصل مع العالم إلا من خلال شاشات صغيرة، تحمل عبر أسلاكها مشاعرنا الإنسانية، بعد أن «تجففها» تماماً من العاطفة تمهيداً لتحويلها إلى سلسلة من الأعداد، وتلبسها ثوب «الرقمنة»، تلك هي فكرة الفيلم السويدي «أوركا» (ORCA)، الذي يتناول المشاعر الإنسانية في زمن «العزلة». 

جميعنا عاش حالة العزلة، والبعض منا لا يزال حتى اللحظة يعيشها إما طواعية أو مرغماً، حيث الهدف الحد من انتشار فيروس «كورونا» الذي أسقط الملايين من الناس الذين أصيبوا به، حالة العزلة هذه تتجلى في مشاهد الفيلم السويدي «أوركا» (Orca) الذي يعد أولى التجارب الروائية الطويلة للمخرجة السويدية يوزفين بورنبوش.

حيث تضعنا بمواجهة مجموعة من شرائح المجتمع، ترتبط فيما بينها بـ«علاقات إنسانية»، فنشهد أب يسأل ابنته، عبر شاشة صغيرة، عن حالها بعد مرور 28 عاماً على ابتعاده عنها، كما نتابع ممثلاً هاوياً يتواصل مع صديقته «افتراضياً»، وأيضاً ابناً يتواصل عبر برنامج افتراضي، مع والدته الممدة على فراش المرض في دار المسنين.

وكذلك نتابع تفاصيل حياة أم تهجر بيتها لتقيم في الفندق، حيث تتواصل مع زوجها عبر «الهاتف المتحرك» لتستفسر منه عن أحوال أطفالها، وفي ذات السياق، نستمع إلى صوت مذيع يبوح بآخر الأخبار المتعلقة بتفشي جائحة «كورونا» حول العالم.

إذن نحن أمام 11 شخصية رئيسية في الفيلم، تظل طوال مدته التي تزيد على الساعة ونصف الساعة، لا يفارقون خلالها شاشاتهم الصغيرة والتي تبدو لوهلة وكأنها أصبحت جزءاً من أجسادهم، ومن خلالها يعبر كل واحد منهم عن مشاعره واضطراباته ومخاوفه أيضاً من المجهول والفيروس الذي يزيد من حدة انسحابهم من الحياة نحو الداخل، فيما يظل تفاعلهم مع بعضهم البعض «رقمياً» أو «افتراضياً».

فيما بدت كافة هذه الشخصيات وكأنها تميل نحو الانعزالية والانطوائية والتوحد، ليتسقوا في ذلك مع طبيعة «الإغلاق العام» الذي دخلته مدينتهم ستوكهولم، أسوة بمدن العالم الأخرى التي عاشت الحالة نفسها، وتجاوب مع ذات الشروط التي فرضتها الحكومات، أملاً بالحد من انتشار الفيروس.

في هذا الفيلم تبدو يوزفين بورنَبوش، مخرجة ذكية، وهي القادمة أصلاً من عوالم الدراما التلفزيونية، حيث أدركت تماماً كيف تحرك شخصياتها، وكيف تجعلها تعبر عن مشاعرها الإنسانية من دون تكلف، في وقت سعت فيه، ومن دون الإشارة المباشرة إلى فيروس «كورونا المستجد» إلى إظهار ما يمكن لـ «العزلة» أن تحدثه في حياة البشر.

وكيف يمكن للعزله أحياناً أن تتخطى حدود البيت والشارع والمدينة ليتسع مدارها شاملاً العالم بأسره، كما تبين لنا كيف اقتنع الناس وبسهولة خالصة بـ «التواصل الرقمي» و«التباعد الاجتماعي»، في أمر يخالف طبيعة الحياة التي كانت سائدة قبل أن تطل جائحة «كوفيد 19» برأسها على العالمين.

فيلم «أوركا» الذي كتبه السيناريست جونار يرفستاد، جاء متسقاً تماماً مع طبيعة الحياة التي بات العالم أجمع يعيشها، ويكاد أن يكون من أوائل الأفلام التي استفادت من «عزلة البشر»، وعبر مشاهده المتتالية، حاولت بورنبوش، أن تعكس ما الذي أحدثته الجائحة في حياتنا، فهناك من خسر وظيفته كما الأب الطبّاخ، الذي يبدو عليه التوتر.

فيما ينتظر عودة زوجته المقيمة في الفندق، وهناك من شعر بألم الفراق، كما الأب الذي يعيد لحمة التواصل مع ابنته بعد فراق دام سنوات طوال، وهناك من يجد في عوالم الحيوانات ملجأ للهروب من الواقع، كما الابنة التي تقضي جل وقتها داخل غرفتها في متابعة أفلام الحيوانات، وتتواصل مع والدها عبر شاشة الكمبيوتر، رغم أن الفاصل بينهما باب خشبي.

في مشاهده، لم تسع بورتبوش إلى وضع الفكرة في قوالب فلسفية، كما لم تسعَ إلى التفتيش عن فيروس «كورونا» بقدر ما اتخذت منه «عكازاً» يعينها على السير في دروب العلاقات الإنسانية والتي تتكشف أمام «العزلة» وإرهاصاتها، لتجبر الناس جميعاً على العودة إلى ذواتها واكتشافها مرة أخرى.