على واحدة من الوقائع المهمة في التاريخ الأمريكي، يفتح السيناريست آرون سوركين، أبواب فيلمه «محاكمة 7 من شيكاغو» (The Trial of the Chicago 7).

حيث نعيش معه لحظات تاريخية، تعيدنا إلى 1968، نعاين فيها الظروف التي مرت بها الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة، وسط إيقاع لاهث، وتداخل زمني لافت، وحوارات امتازت بـ«الجنونية»، والتي يتوقع أن تضع سوركين وفيلمه على قائمة الأوسكار لهذا العام.
قبل المضي في «محاكمة 7 من شيكاغو»، كان لا بد من الالتفات إلى مسيرة آرون سوركين نفسه، لا سيما خلال العقد الأخير، حيث حصلت أفلامه على «علامات مرموقة»، كما فيلم «بضعة رجال طيبين» (A Few Good Men) للمخرج روب راينر والصادر في 1992، و«الشبكة الاجتماعية» (The social Network) للمخرج ديفيد فينشر، الذي أطل على الملأ قبل نحو 10 سنوات، عبر هذه الأفلام عرف العالم سوركين كسيناريست لامع، يعرف جيداً من «أين تؤكل الكتف»، ويجيد تماماً إدارة شخصياته وأحداث القصة على الورق.
ولكنه نجح في كسر هذه الدائرة، ليقدم نفسه في 2017 مخرجاً عبر فيلم «لعبة مولي» (Molly’s Game)، وهي تجربة لا يمكن غض الطرف عنها، فقد كشفت عن موهبة سوركين في إدارة الشخصيات على أرض الواقع، وتقديم حبكة درامية عالية المستوى، وهو ما أعاد تجسيده مرة أخرى في هذا الفيلم، الذي يبدو لوهلة، بأنه أشبه بـ«حرب كلامية» تجري بين الشخصيات.
المتابع لأعمال سوركين يدرك تماماً أنها تتميز بـ«الشخصيات الذكية والفعالة» التي تدخل في محاورات طويلة، وتحاول الانتصار فيها، كما يدرك تميزها بـ«الحوار الطويل» أيضاً. هذه الميزة تتجلى تماماً في مشاهد فيلمه «محاكمة 7 من شيكاغو» الذي يعرض على نتفليكس، الذي بدا فيه وقد تعلم جيداً من الأخطاء التي مر بها في تجربته الأولى، لذا جاء العمل قوياً.
ومعبراً عن شغف سوركين نفسه بـ«اقتباس القصص الحقيقية» وترجمتها على الشاشة الكبيرة، كما في هذا الفيلم الذي يتناول فيه محاكمة 7 شبان على خلفية تنظيمهم ومشاركتهم لمظاهرة ضد حرب فيتنام في عام 1968، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر للحزب الديمقراطي الأمريكي.
في هذا العمل، أجاد سوركين لعبة «التداخل الزمني» فتارة يسجننا داخل جدران المحكمة، وتارة يحررنا منها ليأخذنا بـ«فسحة» خارج المكان، لمعاينة الأحداث، وفيه يستعرض شخصيات هؤلاء الشبان المختلفة، يقدم لنا عرضاً عن مواقعهم «السياسية» وتوجهاتهم الفكرية، والاجتماعية وحتى الموسيقية أيضاً، ونظرتهم إلى الواقع، والأحداث المحيطة بهم، وآرائهم حيال الحرب في فيتنام.
ولتحقيق التوازن في ذلك، حاول سوركين أن يقدم لنا رسماً حول طبيعة الصدام الذي خاضه هؤلاء الشبان مع السلطة بشقيها البوليسي والقضائي، في لحظة تعد «الأصعب في التاريخ الأمريكي»، فيما يبدو أن سوركين قد سعى بطريقة أو بأخرى أن يترجم لنا طبيعة أفكاره الخاصة، وأن يوضح طبيعة نظرته إلى أمريكا، وأي «أمريكا يريدها».
لا يمنح سوركين المتفرج على فيلمه الفرصة لالتقاط أنفاسه، يبدأ بذلك منذ المشهد الأول، باستعراض الخطابات واغتيال مارتن لوثر كينغ، وحرب فيتنام، وهو ما يبرز مدى عشق سوركين للإيقاع اللاهث، تاركاً مجالاً للشخصيات لأن تدلي بحواراتها، التي يقاطعها عبر التداخل الزمني، و«الفلاش باك» السريع، مانحاً بذلك العمل حيوية عالية.
لا سيما وأنه يستند على تنوع في الشخصيات ومكانها ومنطقها أيضاً، ولعل ذلك ما ساعده على إخراج الحدث من دائرة «التاريخ»، ليصنع منه «حدثاً درامياً مثيراً»، وهو ما يمكن أن يستشعره المتفرج، عبر ما يقدمه سوركين من حقائق ومعضلات تتغير في كل لحظة، ومعها يتحرك مستوى الحبكة صعوداً وهبوطاً، لا سيما وأن مجموعة كبيرة من الأحداث تجري داخل مبنى المحكمة.
لقد أجاد سوركين بناء شخصيات العمل، وتوضيح الاختلافات فيما بينها، وبلا شك أن التعامل مع أكثر من 11 شخصية، أمر ليس بالهين، ولكن سوركين نجح في تعريفهم جميعاً، بعد مرور وقت قليل من افتتاحية الفيلم، محدداً في الوقت نفسه توجهات كل شخصية، ودورها في العمل، الذي استطاع فيه نجومه من تقديم أداء جميل، لا سيما مارك ريلانس في دور المحامي ويليام كانسلر، وساشا بارون كوهين في دور الكوميديان الأناركي آبي هوفمان، وفرانك لانغيلا، الذي ارتدى عباءة القاضي جوليوس هوفمان، وبدا حاضراً ومؤثراً في الوقت نفسه.
