«موسم الحرائق الأخير» هو عنوان كتاب يمزج بين المذكرات والتاريخ الطبيعي والبحث الأدبي، للكاتبة الأمريكية مانجولا مارتن، المتخصصة في البستنة العضوية، تروي على صفحاته تجربتها خلال أسوأ موسم حرائق ضرب ولاية كاليفورنيا في عام 2020، بنثر يشبه التحقيق المعمق في معنى علاقة الإنسان بأحد عناصر الطبيعة، فتتبع حرائق الغابات واضعة إياها في سياقها التاريخي البيئي والإنساني.
حُب الغابات
يشكل كتابها الصادر في يناير الماضي، رسالة حب للغابات ومساءلة للممارسات الاستعمارية التي أدت إلى المعضلة الحالية. وهي تذكر أول رحلة لها مع الأسرة عبر سييرا نيفادا، عندما وعد والدها بمنح دولار لمن يقفز في بحيرة جليدية ويبقى فيها لفترة أطول، فأثبتت مارتن أنها لا تخشى البرد القارص. لكنها في مذكراتها الجديدة تعيش تحديات أكثر تعقيداً، هي عبارة عن حرائق تحمل لهباً وآلاماً مزمنة.
عندما قررت الكاتبة الانتقال إلى غابات شمال كاليفورنيا من المدينة، أرادت أن تكون أقرب إلى الطبيعة التي أحبتها عندما كانت طفلة، وكانت تبحث في الوقت نفسه عن ملجأ من أزمة صحية تركتها من آلام مزمنة نتيجة خطأ في عملية أجرتها، ومن خلال الاعتناء بحديقتها حيث الأخشاب الحمراء العملاقة لمقاطعة سونوما، شعرت بنوع من الشفاء. لكن المشهد الطبيعي في المكان، كان نظاماً بيئياً مأزوماً يشهد اندلاع حرائق بشكل متكرر، وكان الدخان والرماد يغطيان حديقتها في كل عام.
ثم في منتصف أغسطس من عام 2020 خلال جائحة كورونا، استفاقت قبل الفجر على عاصفة رعدية جافة، فسجلت عن تلك الحادثة في كتابها تقول: خيّمت سحب لا يسبر غورها فوق أشجار الخشب الأحمر كالصمت، ونفثت السماء الغاضبة طاقة من داخلها على ملايين من الخشب الجاف، وكانت الغابة المحيطة جاهزة تماماً للاحتراق، مع الحرارة والرياح العاتية. فقامت بإخلاء منزلها وهي تفكر على أصوات صفارات الإنذار فيما يعنيه أن تعيش داخل جسد متضرر على كوكب متضرر. كتابها يتألف من أربعة فصول، وكل فصل يغطي شهراً من أغسطس حتى نوفمبر 2020، ويتبع رحلتها من تلال أشجار البلوط في مقاطعة سونوما إلى غابات الأخشاب الحمراء الهائلة في سانتا كروز وصولاً إلى أشجار الصنوبر في قمم سييرا نيفادا بكاليفورنيا.
قوة النار
كتبت أنها تعلمت من والدها أن تفكر في البستنة باعتبارها إبداعاً ثم أدركت أن ما تفعله هو عمل من أعمال التدخل البشري، كما جسدها الذي تم التدخل فيه، فساهم ذلك في تطوير أفكارها»بما يتجاوز الصحة أو المرض، العقم أو الخصوبة.. وفي الكتاب، يمتزج هذا المنظور في رؤيتها للحرائق، كشيء يدعو للخوف وكعنصر ضروري في تطور النظم البيئية للأرض. كتبت أن السكان الأصليين في كاليفورنيا كنوا تقديراً لقوة النيران واستخدموها كأداة لإدارة الأراضي وجانب من الممارسة الروحية، لكن المستعمرين»طمسوا آلاف السنين من تلك المعرفة البيئية التقليدية «بما في ذلك كيفية استخدام النار لحماية الأراضي وتجديدها ومنع حرائق الغابات الخارجة عن السيطرة. فوصفت ممارسات الحرائق لدى السكان الأصليين»المتعمدة منخفضة الشدة«قائلة»لم يكن التدخل جيداً أو سيئاً بطبيعته، كان جزءاً من حوار، كان من المهم كيفية تنظيم العلاقة وليس مجرد وجود علاقة من جانب واحد«.
خيوط بحث
وفي معظم فصول الكتاب، تسير خيوط البحث هذه بالتوازي مع آلامها المزمنة في رحلة شاعرية. تكتب مارتن»أسلوب العيش مع أحداث لا يمكن السيطرة عليها كالحرائق وآلامي تستدعي مني التخلي عن أي إحساس بالنهاية«مضيفة»ما حدث للأرض سيحدث لي».
يصف مقال في صحيفة»نيويورك تايمز«مذكراتها بأنها»ليست سجلاً مثيراً لليأس المناخي، كما أنها ليست مدعومة بالآمال المتفائلة بالتكنولوجيا، بل تجدل خيوطها من تواريخ مختلفة معاً، تاريخ شخصي إلى جانب القصة الأكبر للبشر والحرائق.

