في الحلقة الـ 45 من البرنامج الوثائقي الدرامي «قصتي»

"كامبريدج" .. اكتشاف قيمة تعلم اللغات

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

اللغات هي مفتاح القلوب، وخارطة طريق للثقافة والمعرفة، وهي الدماء التي تسري في عروق الأفكار، قواعد تكتشفها كلما تمعنت في سطور حكاية "كامبريدج"، التي أوردها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي "رعاه الله" في كتابه "قصتي .. 50 قصة في خمسين عاماً"، قواعد يقدمها لنا سموه على طبق من ذهب. 
"لم يواجه والدي صعوبة في التعامل مع البريطانيين، الذين يجيئون إلى مجلسه سواء كانوا من العسكريين أو التجار .. كان الأمر ذاته مع الأمريكيين من دبلوماسيين أو مستثمرين، ومع ذلك فقد كانت كل تلك الجلسات المطولة في المجلس تتم بوجود مترجم، بينما ينثر والدي بضع كلمات إنجليزية، هنا وهناك خلال حديثه"، هكذا آثر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أن يبدأ سرد قصته الحاملة لرقم 19 في كتابه، مانحاً إيانا نظرة خاصة على طبيعة مجالس المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، مستخدماً إياها لتكون مقدمة لرحلة يأخذنا فيها إلى منطقة كامبريدج البريطانية، حيث عاش سموه لوهلة من الزمن، من أجل تعلم اللغة الإنجليزية، التي كانت"موضعاً في غاية الأهمية" بالنسبة لوالده.
في الحكاية التي شكلت العمود الفقري لمشاهد الحلقة الـ 45 من برنامج «قصتي» الوثائقي، الذي تولى إنتاجه المكتب التنفيذي لسموه، ويعرض على شاشات تلفزيون دبي، ومنصّاته المتعددة، نعود فيها إلى منتصف الستينات من القرن الماضي، يفتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عيوننا على أهمية تعلم اللغات، فهي الطريق نحو اكتشاف الثقافات الأخرى، ويخبرنا عن تلك اللحظة التي طلبه فيها والده منه الذهاب إلى بريطانيا لتعلم اللغة الإنجليزية، حيث يقول سموه: "في أغسطس من العام 1966، وصلت إلى منزل السيدة "سمرز" (Mrs. Summers)، تأملت هذه المرأة التي تبدو عليها علامات اللطف والطيبة، وتأملتني هي الأخرى، ثم طلبت مني اللحاق بها لرؤية غرفتي، بينما انهالت علي بسيلٍ من الكلمات التي لم أفهم منها شيئاً، إلا أن نبرة صوتها أظهرت لي أنها كلمات وصفية وتوضيحية وترحيبية".
المسافة بين دبي وبريطانيا بعيدة، والبعد عن الوطن ليس هيناً، وهو كفيل بإثارة المشاعر، ذلك ما يؤكده سموه بقوله: "بمجرد أن أغلقت باب غرفتي انتابتني مشاعر جياشة، من الحنين للوطن والأهل والأحبة. أمضيت معظم وقتي خلال الظهيرة في الصلاة والدعاء إلى أن جاءت السيدة "سمرز" وطرقت باب غرفتي وتقول "العشاء يا مكتوم"، ويضيف: "ما أن فتحت باب الغرفة حتى تسللت إلى أنفي روائح غريبة، ولكن مثيرة للاهتمام، كانت قد وضعت ثلاثة أطباق على المائدة، لحم، وبطاطا مهروسة، وبازيلاء خضراء، أكلنا جميعاً". وفي هذا السياق، يفيض سموه بالسرد، يكشف لنا الغطاء عن ثقافة التعامل مع الأكل في بريطانيا والغرب، عاقداً في الوقت ذاته مقارنة بينهم وبين عادات العرب الأصيلة.
ما يتمتع به سموه من سرعة بديهة وملاحظة، مكنه من التعامل مع الكثير من المواقف التي مر بها آنذاك، كان يستغلها ليتعرف من خلالها على تفاصيل الثقافة الغربية، مجتهداً في الوقت ذاته في توسيع ملاءة مفرداته الإنجليزية، ويقول: "بدأت في دراستي سريعاً، وكنت في كل يوم أزيد مفرداتي الإنجليزية، كما زادت معرفتي بالثقافة الغربية"، وفي السياق، يكشف لنا عن مدى متعته بتلك الأحاديث التي كانت تدور على طاولة المطبخ، ويعبر عن ذلك بقوله: "كانت الأحاديث والنقاشات على طاولة المطبخ من الأمور التي أحببتها في هذه الثقافة، فهذا النمط ليس موجوداً في ثقافتنا التي يكون فيها الحوار والنقاش أكثر تحفظاً، وإذا حدث هنا أي اختلاف فإنه لا يفسد للود قضية".
استمتاع سموه بالصباحات المنعشة، وعشقه للمطر، لم يمنعه من الاجتهاد والدراسة ولم يغفل عن انجاز المهمة التي سار لأجلها، حيث يقول: "درست بجد وبذلت جهدي، ولا أنسى نبرة أبي عندما كان يكلمني عبر الهاتف، كان يسألني في كل بداية حديث ونهايته عن التقدم الذي أحدثته في اتقان اللغة الإنجليزية، الأمر الذي جعلني أفهم أنني لم أكن هنا، لأتعلم بهدف تطوير مهارتي الشخصية فقط، وإنما بهدف خدمة وطني الذي كانت تنتظرني فيه الكثير من المسؤوليات". ويضيف: "الجزء الأكبر  من وقتي كان مخصصاً للدراسة. قمتُ بالأمور العادية والروتينية التي كان يقوم بها الطلبة. كان علي الدفع من أجل تشغيل التدفئة في غرفتي واستخدام الهاتف، كانت عائلة "سمرز" تحضر لي العشاء، ولكني كنتُ أدفع ثمن وجبة الغداء من مصروفي الخاص، الذي كان يؤمنه لي والدي، جنيهان استرلينان اسبوعياً".
خلال إقامته في كامبريدج، لم يركن سموه إلى الراحة، ذلك ما تكشفه لنا سطور الحكاية التي تمثل درساً جميلاً للأجيال، حيث يقول سموه: "لم يكن المصروف يكفيني لجميع أيام الأسبوع. عادةً ما كنتُ أكل الدجاج مرّةً واحدةً في الأسبوع، وأفوتُ وجبات الغداء في أحيان أخرى، ليتسني لي شراء قهوة لأصدقائي، أو دفع ثمن تذكرة القطار الذي كنتُ استقله لمشاهدة سباقات الخيول التي كنتُ أعشقها"، مضيفاً: "لقد نجح والدي بضرب عصفورين بحجر واحد، فقد تعلّمتُ اللغة الإنجليزية، وفي الوقت نفسه، فهمتُ قيمةَ المال". ويختتم سموه بالقول: "في أحد الأيام، تلقيتُ مكالمة غيرت مجرى حياتي إلى الأبد، مكالمة طُلب مني فيها أن أعود إلى الوطن فوراً. قال والدي: اجتماع في غاية الأهمية، وبهذه الجملة، كان يقصد الآن .. وهكذا عدت إلى دبي على متن أول طائرة في اليوم التالي". 

 

طباعة Email