تأتي المجموعة القصصية «الدرب الذي بيننا» للكاتبة العمانية بشرى خلفان، الصادرة عن منشورات تكوين، بعد تجربة روائية طويلة النفَس في «دلشاد» بجزأيها، فتبدو العودة إلى القصة القصيرة أشبه بانتقال واعٍ من الاتساع إلى التكثيف، ومن الملحمة التاريخية إلى اللحظة الإنسانية الهشة، إحدى عشرة قصة، يشدها خيط دلالي واحد، يعلنه العنوان منذ البداية، فالدرب في هذه المجموعة فضاء يفصل ويصل في نفس الوقت، ومسافة بين ذاتين أو زمنين أو مكانين يستحيل عبورها كاملة، ويستحيل كذلك التخلي عنها.
يحتل المكان في المجموعة موقع البنية العميقة، غير أنه مكان لا يحتفظ بثباته، ولا يصير حياً في الوعي إلا بعد أن يغيب في الواقع، وتتجلى هذه الرؤية في السدرة بقصة «الدرب الذي بيننا»، تلك الشجرة التي قالت الأم إنها لا تخص أحداً سوى الله، فتنازعها الأطفال ثم تقاسموها بأسمائهم المحفورة على جذعها، إلى أن عادوا من المدارس ذات يوم فوجدوا مكانها حفرة عميقة، والفراغ الذي خلفته الشجرة يتحول إلى ذاكرة مشتركة، وتمتد صورته في قصص أخرى، فالفتاة تُنتزع من قرية القيظ، والأسرة تنتقل إلى حي جديد، وحديقة البيت القديم لا تعود إلا رائحةً في الغربة.
تهشم الروابط
وعلى هذا المكان المهتز تقوم علاقات إنسانية لا تقل هشاشة، فالوادي الذي يشق الحي إلى ضفتين غير متساويتين، يجد صداه في النفوس حين يرفض الجيران الجدد أن يلعب أطفالهم مع أطفال الحارة، في مفارقة لافتة، إذ استطاع الصغار الذين سالت دماؤهم في عراك السدرة، أن يعودوا إلى اللعب، بينما أقام الكبار جداراً غير مرئي قبل أن يبدأ أي لقاء، وبذلك يغدو الدرب طريقاً يمكن قطعه في خطوات قليلة، ولا يجرؤ أحد على السير فيه، ويبلغ هذا التهشم أقسى صوره حين يصيب العلاقة بين الأم وابنتها، كما في قصة «ذئب في غابة الرائحة»، حيث تهمس الأخت للساردة بأن أمها المريضة لا تريدها هنا، ولا تثق بها.
بلاغة الصمت
يتكرر في المجموعة صوت الراوية الأنثى الواقفة على هامش الحدث، تراقب أكثر مما تشارك، وتعرف أقل مما يجري، فالبنات يتابعن عراك السدرة دون أن يتورطن فيه، وهذه الزاوية المحدودة تمنح النصوص قوتها، لأن نقص المعرفة يتحول إلى أداة بناء. وتبلغ هذه التقنية ذروتها في قصة «بيت جارتنا»، حيث يقع الحدث المركزي خارج النص، ولا يصلنا إلا عبر خفوت الأصوات في بيت الساردة واحداً بعد آخر، صوت الأم في المطبخ والتلفاز ونداؤها على قطة الحوش، قبل أن تتكشف الحقيقة متأخرة ومجتزأة، وهكذا يصير الصمت لغة قائمة بذاتها، ويصير القارئ شريكاً في التلصص والتخمين.
الذئب رمز يتحول
ولا يحضر الذئب في عنوانين من عناوين المجموعة مصادفة، فهو رمز يتنقل بين القصص ويتبدل معناه، يبدأ ذئباً للحب الأول في «عين الذئب»، حيث صبي بعيني ذئب صغير في مدرسة القرآن، يسمي الفتاة سراً فتاة القيظ، وحين تُنتزع منه تغادر وقلبها مشغول بتربية الذئب فيه، فيصير الحب ذاكرة تحملها معها، ثم ينقلب في قصة «ذئب في غابة الرائحة»، إلى صورة للذات كما تراها الأم، إذ تقف الساردة عند نافذة المستشفى المطلة على الغابة، وتفكر أن أمها في الغابة، وأن الذئب شرير وأعرج، في قلب ذكي لحكاية ليلى والذئب، تصير فيه الابنة التي تحمل الطعام هي الذئب في عين الأم، وهكذا ينتقل الرمز من عيني الآخر إلى الذات، ومن موضوع للحب إلى موضوع للخوف.
الخطوة والجسد
وتمنح خلفان الجسد والحواس دوراً سردياً لافتاً، فالخطوة في هذه المجموعة حاملة للمعنى، وتختصرها عبارة «الخطوة درب، الدرب حكاية» في قصة «عين الذئب»، حيث تمشي الفتاة على أطراف أصابعها كأنها معلقة بخيط من حرير، بينما تطالبها أمها بأن تُسمعها وقع خطاها، وتعود الخطوة في قصة «ذئب في غابة الرائحة» قدماً ثقيلة تُجر، والأم التي أرادت أن تسمع الخطى صار سمعها ضعيفاً، وأنفها هو ما يحكم، وفي مقابل القدم تحضر اليد الممدودة، يد حمد على حافة الحفرة، ويد المزارع فوق الجابية، ويد الأخت وهي تحتضن يد الساردة المجروحة.
هكذا تمضي بشرى خلفان في دربها القصصي بلغة مقتصدة، تثق بالتفصيل الصغير، وتصغي إلى الحواس، فالأصوات والروائح تفتح قصصها كما تُفتح نافذة على ذاكرة بعيدة، وبين سدرة اقتُلعت فخلفت حفرة في قلب الحي، وذئب تربيه طفلة في صدرها ثم تراه أمٌ في ابنتها، تتشكل خريطة كاملة للفقد، يكبر فيها الأطفال، وتنضج معهم جراحهم، وحين تُطوى الصفحة الأخيرة، يبقى القارئ واقفاً على حافة ذلك الدرب، يعرف أن الطريق إلى الآخرين قصير بما يكفي ليُقطع في خطوات، وطويل بما يكفي لأن نقضي العمر كله ونحن نحاول عبوره.


