حين نشر جورج أورويل روايته «مزرعة الحيوانات» عام 1945، كان يصوّب نقداً لاذعاً نحو المسار الذي آلت إليه الثورة البلشفية، وقد رفضتها دور نشر عدة في البداية خشية إغضاب حليف الحرب، قبل أن تصبح من أكثر الأعمال انتشاراً وشهرة في القرن العشرين.
غير أن تلك الحكاية الرمزية التي دارت أحداثها في حظيرة إنجليزية خرجت من سياقها الزمني سريعاً، ليجد فيها كل جيل صوراً مرئية من حاضره المباشر، فالسلطة المستبدة في هذه الرواية لا تتكئ دائماً على أدوات البطش القاسية، بل تتسلل ناعمة عبر تحريف اللغة، واستثمار العادة، وتغذية الخوف، وتبدل أقنعتها مع كل عصر، لكنها تحتفظ بملامحها الجوهرية، ومن هنا تبدو الرواية بعد ثمانين عاماً أقرب إلى قراءة واعية لحاضرنا الرقمي منها إلى هجاء لماضٍ انطوى.
تآكل المعاني وتزييف الخطاب
يبدأ التحول الحقيقي في المزرعة من الجدار الرئيسي الذي كُتبت عليه الوصايا السبع، لم يمحُها أحد دفعة واحدة، بل كانت تتغير ببطء ليلاً، بكلمة تُضاف هنا وأخرى تُحذف هناك، حتى استيقظ الجميع ذات صباح على عبارة: «جميع الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر تساوياً من غيره»، هذا التآكل البطيء للمعاني ونزع دلالاتها الأصلية هو عين ما نشهده اليوم، حين تُفرغ مفاهيم الحرية والعدالة والكرامة من مضمونها لخدمة من يملك المنبر، ويُقدَّم التراجع عن المكتسبات بصفته ضرورة ملحة لضمان الاستقرار.
وفي قلب هذه الصناعة يبرز «سكويلر»، المتحدث الفصيح لقيادة المزرعة الجديدة، الذي يحوّل الإخفاقات المتتالية إلى انتصارات موهومة، ويرد على الجوع بجداول إنتاج تبشّر بالوفرة، ويلوّح كلما ارتفع صوت معترض بخطر العودة إلى الماضي، وتكتمل اللوحة بالأغنام التي تقاطع كل نقاش بهتاف مكرر، قبل أن تغيّره في النهاية ليلائم التوجه الجديد، وما كان يفعله سكويلر بالخطابة التقليدية تفعله اليوم منصات وآلات إعلامية تتفوق في قدرتها الهائلة على تشكيل الوعي الجمعي وتوجيه الرأي العام.
مأساة المخلصين وأوهام التضحية
أما الحصان «بوكسر» فهو أكثر شخصيات الرواية إيلاماً وإثارة للشفقة، فهو قوي مخلص وطيب القلب، يجيب عن كل أزمة بعبارته الأثيرة: «سأعمل بجهد أكبر»، ويؤكد دوماً أن القيادة على حق دائماً، وحين انهارت قواه، قيدته سَدَنة المزرعة إلى مصيره المحتوم بلا رحمة، بينما جرى إقناع بقية الحيوانات بأنه حظي برعاية طبية كاملة، فصدقت الرواية الرسمية وعادت إلى العمل الشاق، ووحده الحمار من أدرك الحقيقة المرة، لكن صرخته جاءت متأخرة بعد أن اعتاد الجميع صمته الطويل، إنها صياغة مأساوية لمن يسهم في بناء القيود التي تكبله وهو يظن أنه يخدم قضية سامية، وهو المشهد الذي يتكرر اليوم في أنظمة اقتصادية وإدارية تُجهد الطاقات الاستثنائية ثم تستغني عنها فور تراجع قدرتها على العطاء.
حين يتماهى الثائر مع المستبد
ولا تقف الرواية عند حدود النقد السطحي للسلطة، بل تتبع المسار النفسي والسياسي الذي يقطعه الثائر حتى يتماهى تماماً مع القوى التي ثار عليها، حيث بدأ «نابليون» بإقصاء خصومه وتصفية رفاقه، ثم اتخذهم شماعة تُنسب إليها كل خطيئة، حتى استقر به المطاف في منزل المزارع ومارس سلوكياته السابقة نفسها. وفي المشهد الأخير، تنظر بقية الحيوانات عبر النافذة إلى سَدَنة المكان وهي تجالس البشر، فلا تستطيع التمييز بين القائمين على المزرعة وخصوم الأمس، و تلقي الرواية ضمنياً أفكاراً حية شهد فيها التاريخ الحديث نماذج متعددة لحركات رفعت شعارات الإصلاح والشفافية، ثم استعارت أدوات الحجب والإقصاء ذاتها التي كانت تحاربها.
يقظة الوعي وسؤال الحرية
ولم تعد سَدَنة أورويل محصورة في حظيرة ريفية، بل باتت تعبّر اليوم عن خوارزميات وأنظمة تقنية تعرف عنا الكثير، وتصل إلينا عبر الشاشات الذكية التي نرافقها يومياً، كما أن الحرية، في ضوء هذه الحكاية، هي حالة واعية يكتسبها الإنسان ببصيرة، وهي ممارسة حية تحتاج إلى يقظة مستمرة، وتساؤل دائم أمام الروايات السائدة؛ فالقراءة المتأنية لرواية مزرعة الحيوان تمنح القارئ قلقاً نافعاً، ويقيناً مفاده أن أشد القيود خطورة هي تلك التي نتيح لها الوجود بالتهاون وانطفاء الوعي..!



