قبل رواية "دون كيخوته"، عَرف الأدب الأوروبي أشكالًا سردية طويلة، حتى ازدهرت، خصوصاً في العصور الوسطى وعصر النهضة، من "روايات الفروسية" التي تتبع مغامرات الفرسان والحب والبطولات والعجائب، إلى "الروايات الرعوية" بعشاقها وطبيعتها المثالية، ثم الرواية "البيكارسكية" من بيكارو الإسبانية، وتعني الصعلوك، والتي اقتربت أكثر من الشوارع والفقر والحياة اليومية.. وكانت الحكاية غالباً تتحرك وراء المغامرة والحدث..
التفكيك والسخرية
حتى جاء الكاتب الاسباني المدريدي "ميغيل دي ثيربانتس" (1547 – 1616م)، وأدخل الأنواع التي ذكرناها كلها تقريباً إلى مختبر روائي واحد، ثم أخذ يفككها ويسخر منها ويجعلها تتصادم مع الواقع، فالفارس الذي كان ينتصر على العمالقة في كتب الفروسية، أصبح في "دون كيخوته" رجلًا يرى طاحونة هواء فيحسبها عملاقًا، ومن هنا انتقلت البطولة من المغامرة وحدها إلى الواقعية والحقيقة ثم الوعي، بدلاً من الخيال فقط، فأدخل الحداثة في الرواية.
فمن يقرأ روايته دون كيخوته اليوم يلاحظ أن ثربانتس جعل من دون كيخوته وصديقه سانشو وهما في طريق المغامرة، أنه يرى شيئًا آخر غير البطولات، وجعل من الراوي وهو يروي يشكك في مصدر روايته، حتى يأتي القارئ ليقرر أين تقع الحقيقة؟
خيال النبلاء
حين نشر الروائي الاسباني "ميغيل دي ثربانتس" الجزء الأول من روايته "دون كيخوته" عام 1605م، كانت كتب الفروسية تملأ خيال القراء بحكايات الفرسان النبلاء والعمالقة والسحرة والمغامرات الخارقة.. وأخذ "ثربانتس" هذا العالم، ووضع داخله رجلاً عادياً وهو البطل، الذي كان يقرأ كتب الفروسية أكثر مما يحتمل، فخرج إلى طرق إسبانيا باحثاً عن حياة تشبه الكتب.. ومن هذه المفارقة بدأ شكل جديد من السرد، حيث الواقع الذي يشكل الوعي.
الواقعية
وفي هذا الإطار أيضاً، جعل "ثربانتس" بطله يرى العالم بطريقتين في وقت واحد، من طواحين الهواء عمالقة، ومن النُّزُل قصوراً، وأيضاً من الواقع البسيط مغامرة بطولية.. وأمام هذا الخيال في رواية "دون كيخوته" وقف صديقه البسيط "سانشو" بحكمته الشعبية ولغته اليومية، فنشأ بينهما حوار بين الحلم والواقع، وبين اللغة الرفيعة والأمثال الشعبية.. ثم لعب "ثربانتس" لعبة أخرى في الرواية، أكثر جرأة مع الراوي نفسه، حيث يزعم السارد أنه عثر على مخطوط مؤرخ عربي يدعى سيدي حامد بن إنجيل بنين غاليي، وأن النص تُرجم إلى الإسبانية. وهكذا صار القارئ أمام مؤلف وراوٍ ومؤرخ ومترجم، لكل منهم مسافة مختلفة عن الحكاية، وأصبحت الرواية تسأل ضمنياً: من يروي؟ ومن نصدق؟
البطولة للعامة
وخلال عام 1615 صدر الجزء الثاني، حدث أمر أكثر حداثة في شخصياته، فبعد أن مغامرات دون كيخوته في الجزء الأول، والناس قرأوه. يلتقي في الجزء الثاني البطل بأشخاص يعرفونه من كتابٍ يحكي حياته، فيدخل الكتاب الأول إلى الكتاب الثاني، وتصبح الرواية واعية بأنها رواية قبل قرون.
والأهم منح ثربانتس الحياة اليومية مكاناً واسعاً، مثل الطرق، والحانات، والفلاحون، والخدم، والباعة، والمحادثات والمصادفات.. ليتحرك السرد بين أصوات وطبقات وحكايات متداخلة، حتى صار الإنسان بتناقضاته مادة للرواية.
لهذا ارتبطت رواية "دون كيخوته" ببداية الرواية الحديثة، بعد أن جعل مؤلفه العبقري ثربانتس السرد يفكر في نفسه، والراوي موضع شك، والشخصية ترى حقيقة تختلف عن حقيقة الآخرين. وبعد أكثر من أربعة قرون، ما زالت الرواية تستخدم الألعاب التي جرّبها الفارس الذي خَرَجَ لمحاربة طواحين الهواء.






