ماذا كان في الحقيبة التي لم يسافر نابليون من دونها؟

لم تكن الخرائط والأسلحة والرسائل العسكرية الأشياء الوحيدة التي كانت تتحرك مع الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت بين المدن والمعسكرات، وسط أمتعته كانت هناك صناديق خشبية ثقيلة، تبدو من الخارج جزءاً آخر من تجهيزات الحملة، لكنها كانت تخفي عالماً من المسرحيات والروايات والشعر والكتب في التاريخ والدين والجغرافيا والتكتيكات العسكرية.

أينما اختار نابليون مقراً جديداً خلال حملاته، كانت صناديق الكتب تنتقل معه، وبحسب روايات تاريخية تناولت عاداته في القراءة، كانت مكتبته المتنقلة جزءاً من حياته أثناء السفر، حتى إن صناديق الكتب كانت توضع في الغرفة المخصصة لدراسته عند استقرار مقر القيادة.

وكانت الكتب بالنسبة إلى نابليون أكثر من وسيلة لقتل الوقت خلال الرحلات الطويلة، فقد قرأ عن البلدان التي كان يتجه إليها، وعن الحروب التي وقعت فيها، وعن القادة الذين سبقوه إليها، وعندما ابتعد قليلاً عن الخرائط والحسابات العسكرية، وجد أمامه الأدب والشعر والمسرح.

أكبر من صندوق الملابس

بدأت هذه العلاقة قبل سنوات طويلة من أن يصبح نابليون إمبراطوراً.

فوفقاً للكاتبة والباحثة التاريخية شانون سيلين، كان نابليون خلال دراسته في مدرسة بريان العسكرية يستغل أوقات فراغه في المكتبة ويقرأ التاريخ بكثافة.

ومن بين الكتّاب الذين انجذب إليهم بوليبيوس، المؤرخ اليوناني القديم المعروف بكتاباته عن صعود روما، وبلوتارخ، المؤرخ وكاتب السير اليوناني الذي اشتهر بسير الشخصيات الإغريقية والرومانية، وأريان، المؤرخ اليوناني المعروف خصوصاً بتأريخه لحملات الإسكندر الأكبر.

واستمر شغفه بالقراءة خلال دراسته العسكرية في باريس ثم في سنواته الأولى ضابطاً في سلاح المدفعية.

أما جوزيف بونابرت، الشقيق الأكبر لنابليون والذي أصبح لاحقاً ملكاً على نابولي ثم إسبانيا، فيُنسب إليه وصف يكشف مقدار المساحة التي كانت الكتب تشغلها في أمتعة أخيه، فعندما سافر نابليون إلى كورسيكا في شبابه، حمل معه مؤلفات أفلاطون، الفيلسوف اليوناني الشهير، وشيشرون، الخطيب والفيلسوف الروماني، وليفيوس، أحد أبرز مؤرخي روما القديمة، وتاسيتوس، المؤرخ والسياسي الروماني، إلى جانب مونتين، الكاتب والفيلسوف الفرنسي، ومونتسكيو، المفكر الفرنسي المعروف بأعماله في الفلسفة السياسية.

ووفقاً للرواية، كان صندوق الكتب الذي حمله نابليون معه أكبر من الصندوق المخصص لملابسه وأغراضه الشخصية.

أي أنه عندما اضطر إلى الاختيار بين المساحة المخصصة لملابسه والمساحة المخصصة لما يريد قراءته، أخذت الكتب الحيز الأكبر.

ماذا كان يقرأ؟

لم تكن كل هذه المجلدات مخصصة للترفيه، فقبل أيام من توجهه عام 1796 لتولي قيادة الجيش الفرنسي في إيطاليا، زار نابليون المكتبة الوطنية الفرنسية واطلع على كتب تتناول جغرافية بييمونتي وسافوا، إلى جانب مذكرات ودراسات عن القادة الذين خاضوا حروباً في إيطاليا قبله، وفقاً لموقع ذا نابليون سيريز المتخصص في تاريخ نابليون والعصر النابليوني.

وهنا تتجلى صورة مثيرة للغاية نرى فيها قائد يستعد لحملة عسكرية، لكنه قبل الوصول إلى ساحة المعركة يريد أن يعرف الأرض على الورق، وأن يقرأ ما فعله الذين قاتلوا فوقها من قبله.

60 كتاباً في كل صندوق

وبحسب موقع أوبن كالتشر، نقلاً عن رواية تاريخية منشورة في صحيفة أمريكية عام 1885، كانت كتب نابليون توضع في عدة صناديق، يستطيع الواحد منها استيعاب نحو 60 مجلداً.

ولم يكن اختيار الصناديق عشوائياً، فقد صُنعت في البداية من خشب الماهوغني، قبل استخدام خشب البلوط الأكثر متانة وتغطيته بالجلد حتى يصبح أكثر قدرة على تحمل ظروف التنقل.

أما الداخل فكان مبطناً بالجلد الأخضر أو المخمل، وكانت الكتب نفسها مجلدة بطريقة تجعلها مناسبة للاستخدام المتكرر أثناء السفر.

حتى العثور على كتاب معين كان له نظامه الخاص فكان لكل صندوق فهرس، ويحمل كل كتاب رقماً يقابله داخل ذلك الفهرس، مما يعني أن مساعداً يستطيع معرفة مكان الكتاب المطلوب من دون الاضطرار إلى إخراج عشرات المجلدات والبحث بينها واحداً تلو الآخر.

ألف كتاب مصغر

في 8 يوليو 1803، ظهرت فكرة تبدو مألوفة جداً لأي شخص يستخدم اليوم قارئاً إلكترونياً.

وفقاً للتعليمات التاريخية التي أوردها أوبن كالتشر، أراد نابليون إنشاء مكتبة متنقلة جديدة تضم ألف مجلد، تطبع خصيصاً له بأحجام صغيرة لتصبح مناسبة للسفر.

أراد طباعة جميلة وواضحة، مع تقليل الهوامش لتوفير المساحة، وأن يضم كل مجلد ما بين 500 و600 صفحة، مع أغلفة مرنة قدر الإمكان.

وطلب 40 عملاً في الدين، و40 عملاً مسرحياً، و40 مجلداً من الشعر الملحمي، و60 مجلداً من أنواع الشعر الأخرى، و100 رواية، و60 مجلداً في التاريخ، على أن تذهب الحصة الأكبر المتبقية إلى المذكرات التاريخية من عصور مختلفة.

وتشير روايات أخرى حول مجموعاته إلى وجود أعمال لعدد من أهم كتّاب فرنسا، بينهم كورني، أحد أبرز كتّاب المسرح الفرنسي في القرن السابع عشر، وراسين، الكاتب المسرحي الفرنسي المعروف بتراجيدياته الكلاسيكية، وموليير، الكاتب والممثل المسرحي الفرنسي الشهير بأعماله الكوميدية، وفولتير، الكاتب والفيلسوف الفرنسي وأحد أبرز مفكري عصر التنوير، ولافونتين، الشاعر الفرنسي المعروف بحكاياته الشعرية.

وتذكر هذه المصادر أيضاً مكتبة سفر أصغر، ضمت طبعات مصغرة صممت لهذه الغاية وجُلدت بالجلد وزُينت حواف صفحاتها بالذهب.