كشف علماء آثار عن وثيقة نادرة عُثر عليها في السودان، تُقدم أول دليل ملموس على وجود ملك كان يُعتقد لقرون أنه مجرد شخصية أسطورية، وتتعلق الوثيقة بالملك قشقاش، الذي لم يكن معروفاً سابقاً إلا من خلال الروايات الشفوية والنصوص التاريخية المتأخرة، دون أي دليل مباشر يؤكد حكمه.
وجاء الاكتشاف خلال أعمال تنقيب في مدينة دنقلا القديمة، الواقعة على الضفة الشرقية لنهر النيل، والتي كانت عاصمة مملكة مكوريا النوبية وفق ديلي جالاكسي.
وعثر باحثون من المركز البولندي لعلم آثار البحر الأبيض المتوسط بجامعة وارسو على الوثيقة داخل طبقة من النفايات في مبنى كبير يُعرف محلياً باسم "بيت الملك"، ورغم أن الورقة صغيرة الحجم، إذ لا يتجاوز قياسها عدة بوصات، فإن محتواها كان كافياً لتغيير فهم الباحثين لتلك الحقبة التاريخية.
تحمل الوثيقة أمراً إدارياً مباشراً صادراً باسم الملك قشقاش، موجّهاً إلى أحد مساعديه ويدعى الخضر، ويطلب فيه تسهيل عملية تبادل سلع بسيطة، تشمل استلام ثلاث قطع قماش مقابل نعجة وحملها.
ورغم بساطة المعاملة، فإنها تكشف أن الملك كان يمارس سلطة فعلية ويتدخل بشكل مباشر في الشؤون الاقتصادية اليومية، ما يؤكد أنه لم يكن شخصية خيالية كما كان يُعتقد.
ولا تحمل الوثيقة تاريخاً محدداً، لذلك اعتمد الباحثون على أدلة أخرى لتحديد زمنها، فقد عثروا في الغرفة نفسها على عملات فضية تعود إلى عهد السلطان العثماني مراد الرابع، الذي حكم بين عامي 1623 و1640، كما أظهر التأريخ بالكربون المشع أن الوثيقة تعود على الأرجح إلى أواخر القرن السادس عشر أو أوائل القرن السابع عشر، وهذا يضع حكم قشقاش في فترة انتقالية مهمة، بعد انهيار مملكة مكوريا وقبل الفتح العثماني عام 1820.
وتكتسب الوثيقة أهمية كبيرة لأنها تنقل شخصية كانت محصورة في الروايات الشفوية إلى إطار تاريخي يمكن التحقق منه بالأدلة الأثرية. كما أن الاكتشاف لم يقتصر على هذه الورقة فقط، إذ عثر الباحثون على أكثر من عشرين نصاً عربياً آخر داخل المبنى نفسه، إلى جانب منسوجات وأدوات وقطع أثرية تشير إلى وجود شبكة إدارية ونظام حكم منظم في دنقلا خلال تلك الفترة.
ويؤكد هذا الاكتشاف أن العديد من الشخصيات التي اعتُبرت أسطورية في التاريخ الأفريقي قد تكون حقيقية، وأن التنقيبات الأثرية ما تزال قادرة على إعادة كتابة أجزاء كاملة من تاريخ المنطقة، خاصة في الفترات التي تعاني من نقص في الوثائق المكتوبة.

