لم تكن عبارة «اختفت السحابة» التي دوّنها أحد أفراد طاقم الطائرة الأمريكية «إينولا غاي» في سجل رحلتها عام 1945 مجرد ملاحظة عابرة عن مشهد قصف هيروشيما، بل تحولت بعد عقود إلى دليل علمي ساعد الباحثين على تقدير ارتفاع عمود الدخان الناتج عن الانفجار، وفتح نافذة جديدة لفهم أحد أخطر السيناريوهات المرتبطة بالحرب النووية: الشتاء النووي.
وبحسب موقع «IFLScience» قام فريق بحثي أعاد فحص سجلات الرحلة التي نفذت قصف هيروشيما، مستنداً إلى ملاحظة كُتبت عند الساعة 10:52 صباحاً، بينما كانت الطائرة على بُعد نحو 750 كيلومتراً من المدينة، في محاولة لتحديد الحد الأدنى لارتفاع عمود الدخان الذي خلّفه الانفجار والحرائق اللاحقة.
وتعود الواقعة إلى 6 أغسطس 1945، عندما ألقت الولايات المتحدة القنبلة الذرية «ليتل بوي» على مدينة هيروشيما اليابانية عند الساعة 8:15 صباحاً، في أول استخدام لسلاح نووي في حرب، وبعد الانفجار، بقيت طائرة «إينولا غاي» والطائرات المرافقة لها في المنطقة لفترة لمراقبة المشهد وتوثيقه، فيما وصف أفراد الطاقم سحابة هائلة غطت المدينة وانتشرت فوقها.
وتكمن أهمية العبارة في أن السجل لم يقل إن السحابة اختفت خلف الأفق، بل أشار إلى أن الرؤية انقطعت بسبب الضباب، وكان هذا التفصيل محور الدراسة، إذ يعني أن عمود الدخان ظل مرتفعاً بما يكفي ليبقى فوق خط الأفق، لكن الظروف الجوية حجبت رؤيته عن الطائرة.
11.3 كيلومتراً.. الحد الأدنى لارتفاع عمود الدخان
وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة Geophysical Research Letters، استخدم الباحثون سجلات موقع الطائرة وارتفاعها، إلى جانب بيانات تاريخية عن أحوال الغلاف الجوي، لحساب المسافة التي يمكن أن يصل إليها الضوء بعد انحنائه أثناء مروره عبر طبقات الهواء المختلفة.
وأجرى الفريق 100 ألف محاكاة حاسوبية لاختبار الاحتمالات المختلفة، مع مراعاة عوامل مثل المسافة بين الطائرة وهيروشيما، وارتفاع الطائرة، والتغيرات في خصائص الغلاف الجوي. وخلصت النتائج إلى أن قمة عمود الدخان تجاوزت ارتفاع 11.3 كيلومتراً بثقة إحصائية تبلغ 95%، فيما بلغ الحد الأدنى الوسيط المقدر 12.1 كيلومتراً.
ولا تعني هذه الأرقام أن العلماء حددوا الارتفاع النهائي للسحابة، بل إنها تمثل حداً أدنى؛ فالملاحظة المسجلة لا تتيح معرفة ما إذا كان العمود ارتفع إلى مستويات أعلى، لأن اختفاءه عن الأنظار حدث بسبب الضباب وليس بسبب هبوط قمته خلف الأفق.
وتكتسب النتيجة أهميتها من أن عمود الدخان لم يكن سحابة الفطر النووية الأولى الناتجة مباشرة عن الانفجار، بل عموداً حرارياً تشكل لاحقاً بفعل الحرائق الواسعة التي اجتاحت المدينة، فقد أدت تلك الحرائق إلى تسخين الهواء ودفعه إلى أعلى حاملاً معه الدخان والسخام، في عملية يمكن أن ترفع كميات كبيرة من المواد إلى طبقات الجو العليا.
ما علاقة ذلك بالشتاء النووي؟
يتمثل أحد أخطر السيناريوهات المرتبطة بالحرب النووية في حدوث ما يعرف بـ«الشتاء النووي»، وهو تبريد عالمي محتمل ينتج عن اندلاع حرائق واسعة في المدن والمنشآت بعد هجمات نووية، تؤدي إلى تصاعد كميات كبيرة من السخام والكربون الأسود إلى الغلاف الجوي.
وعندما تصل هذه الجسيمات إلى ارتفاعات كبيرة، يمكن أن تبقى في الجو لفترات طويلة وتحجب جزءاً من أشعة الشمس، ما يؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة واضطراب المناخ، ويهدد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي على نطاق واسع.
وتوفر نتائج الدراسة دليلاً ميدانياً مهماً يدعم إمكانية وصول أعمدة الدخان الناتجة عن الحرائق النووية إلى ارتفاعات تتوافق مع بعض سيناريوهات الشتاء النووي. كما تمنح الباحثين معياراً واقعياً يمكن استخدامه لاختبار دقة النماذج الحاسوبية التي تحاكي سلوك الحرائق وانتقال السخام إلى الغلاف الجوي.
لكن الدراسة لا تثبت أن شتاءً نووياً سيحدث حتماً، ولا تحدد كمية السخام التي وصلت إلى طبقات الجو العليا أو ما إذا كانت كمية كافية لإحداث تبريد عالمي. فارتفاع قمة عمود الدخان لا يعني بالضرورة أن معظم السخام الموجود داخله وصل إلى الارتفاع نفسه، وهي نقطة يقر بها الباحثون بوصفها أحد الأسئلة التي لا تزال تحتاج إلى مزيد من البحث.
وتشير الدراسة إلى أن قصف هيروشيما يمثل الحالة الوحيدة المعروفة لانفجار نووي أعقبه حريق واسع النطاق من هذا النوع، فيما لم ينتج قصف ناغازاكي العاصفة النارية نفسها، ما يجعل السجلات والصور المرتبطة بهيروشيما مصدراً استثنائياً لفهم هذه الظاهرة.
وبعد أكثر من 81 عاماً على القصف، أعادت ملاحظة قصيرة في سجل رحلة جوية فتح ملف علمي يتجاوز حدود التاريخ، إذ تساعد في اختبار مدى قدرة الحرائق الناجمة عن حرب نووية على دفع السخام إلى طبقات الجو العليا، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تغيرات مناخية تهدد حياة البشر في مناطق بعيدة عن مواقع الانفجارات.

