الرواية العربية والجوائز.. إلهام في مواجهة قوالب التتويج

1
1
2
2
فتحية النمر
فتحية النمر
هند المشموم
هند المشموم
حازم إبراهيم
حازم إبراهيم
شيرين الزقزوقي
شيرين الزقزوقي
كنانة عيسى
كنانة عيسى


في مشهد أدبي تتكاثر فيه منصّات التتويج وتتعاظم فيه رهانات الاعتراف، تقف الرواية العربية عند مفترق دقيق بين وهج الجوائز وأسئلة الإبداع الحر. لم تعد الجوائز الأدبية مجرد احتفاء رمزي بالنصوص، بل تحوّلت إلى قوة مؤثرة تعيد تشكيل خريطة الكتابة والقراءة معاً، فاتحة أبواب الانتشار والتسويق، ومثيرة في الوقت ذاته جدلاً عميقاً حول حدود تأثيرها في حرية الكاتب وخصوصية صوته.
«البيان» ترصد ملامح تلك الجدلية المتشابكة، مستقصية آراء أدباء ونقاد ومترجمين حول ما إذا كانت الجوائز تدفع الرواية العربية نحو آفاق أرحب من التجديد والابتكار، أم أنها تفرض، بشكل غير مباشر، أنماطاً سردية تتقاطع مع ذائقة لجان التحكيم. وبين الحافز والارتهان، وبين الإبداع والتكيّف، تتكشف رحلة الرواية العربية وهي تبحث عن توازنها الخاص في مشهد ثقافي تتنازعه معايير التقدير وأسئلة الأصالة.
وأوضحت الروائية الإماراتية فتحية النمر أن الرواية العربية اليوم تعيش حالة من النضج الفني الذي مكّنها من منافسة الآداب العالمية، منوهة بأن هذا النضح ليس حكراً على أقلام الرواد فقط، بل يبدو جلياً في طاقات الشباب الذين يكتبون بلغة رصينة وشغف حقيقي. ورغم هذا التطور، رأت فتحية النمر أن العلاقة بين واقع الرواية العربية والجوائز أصبحت علاقة ارتهان أكثر من كونها علاقة تقدير، مشيرة إلى أن المشكلة الكبرى تكمن في أن الجهات المعنية بالترجمة ترهن قراراتها بالنتائج النهائية للمسابقات، فلا تترجم إلا الكتب المتوجة بالجوائز، بينما تبقى أعمال أخرى قد تفوقها جودة حبيسة الرفوف في انتظار دور قد لا يأتي.
ودعت النمر إلى فك الارتباط بين الجائزة والاعتراف بالجودة، لافتة إلى أن الجوائز الأدبية تحولت إلى شرط مرور غير عادل لدى بعض المؤسسات ووكلاء الحقوق، وأن ثمة حاجة ماسَّة إلى تعاون جماعي يحترم الكتاب بوصفه صناعة متكاملة لا تنتهي بانتهاء معرض أو مسابقة.


حوافز تشجيعية
وأعربت الدكتورة هند المشموم، رئيس الهيئة الإدارية لاتحاد كتَّاب وأدباء الإمارات (فرع دبي)، عن دعمها الكامل للجوائز الأدبية، مثل «جائزة البوكر للرواية العربية»، واصفة إياها بـ«الحوافز التشجيعية» الضرورية لنمو الرواية العربية والإماراتية، مؤكدة أن البيئة المحيطة والتشجيع المعنوي والمادي هما الوقود الحقيقي للمبدع، تماماً كما تتم رعاية موهبة الطفل لتنمو وتزدهر.
وأشادت الدكتورة المشموم بمستوى الرواية الإماراتية المعاصرة؛ إذ رأت أنها تسعى الآن بثبات نحو آفاق واسعة، مشيرة إلى أن الرواية الإماراتية استفادت من إرث الكتَّاب الرواد والانفتاح على التجارب العالمية، مع الحفاظ على خصوصية المجتمع الإماراتي وعاداته وتقاليده التي تظل مرجعاً أساسياً للإبداع المحلي.


ذائقة معيارية
وأشادت الناقدة كنانة حاتم عيسى بالدور المحوري الذي تنهض به الجوائز الأدبية، وفي مقدمتها «جائزة البوكر للرواية العربية»، في تنشيط وتحفيز المشهد الإبداعي العربي، مؤكدة أن هذه الجوائز نجحت في تقديم نخبة من الأعمال الأدبية الرفيعة للقارئ العربي، ما أسهم في تجديد الدماء في عروق الرواية العربية ودفعها نحو آفاق أرحب من الابتكار والحرية.
وأوضحت كنانة أن «الجائزة العالمية للرواية العربية» (البوكر)، على وجه الخصوص، حققت إنجازاً شمولياً من خلال تسليط الضوء على أعمال استثنائية، مستشهدة بروايتين من القائمة القصيرة لعام 2025: «صلاة القلق»، و«المسيح الأندلسي»، بوصفهما مثالين على النضج الفني والإضافة الحقيقية للتراث الأدبي العربي، مشيرة إلى أن الفوز لم يعد مجرد تقدير معنوي، بل استحال «لقباً تسويقياً» مهماً يساعد الكاتب على الترويج لعمله، ويدعم دور النشر في الوصول إلى شريحة أوسع من القرَّاء، سواء عبر النسخ الورقية أو الرقمية.
وفي قراءة نقدية لمخرجات الجوائز الأدبية، لفتت كنانة عيسى إلى وجود نوع من «التدخل للذائقة» الخاصة بلجان التحكيم، وغياب المعيار النقدي الصارم في بعض الأحيان، منوهة بملاحظة لافتة في الدورة الأخيرة من الجائزة العالمية للرواية العربية، وهي طغيان «النمط الديستوبي» (السوداوية، التشاؤم، العنف) على معظم الروايات المختارة، ما يشير إلى وجود «ذائقة معيارية» باتت تتحكم بشكل أو بآخر في خيارات الكتَّاب الساعين لنيل الجائزة.


تعليب الأدب
وأكد المترجم حازم إبراهيم أن الجوائز الأدبية تؤدي دوراً مهماً في تنشيط المشهد الثقافي، معتبراً إياها المحرك الرئيس لما سماه «الحلقة الفاضلة» التي تربط بين القارئ والكاتب ودار النشر، موضحاً أن الجوائز الكبرى مثل: «الجائزة العالمية للرواية العربية» (البوكر)، وجائزة الشيخ زايد للكتاب، وجائزة كتارا للرواية العربية، وجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، وجائزة ساويرس الثقافية، أسهمت بشكل تراكمي في تسليط الضوء على أعمال أدبية معينة، ما حفز الجمهور على القراءة والكتَّاب على التأليف.
وأشار إلى أن اتساع رقعة القراءة يؤدي بالضرورة إلى زيادة وتيرة النشر وطباعة كميات أكبر من الكتب، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على انخفاض أسعارها وتسهيل وصولها إلى القراء، خاصة في الدول ذات الدخل المحدود، محذراً في المقابل من أن تراجع القراءة يؤدي إلى حلقة مفرغة من ارتفاع الأسعار وقلة الانتشار.
ولفت إبراهيم إلى وجود جانب نقدي لهذه الجوائز، حيث يرى البعض أنها قد تدفع بعض الكتاب نحو «تعليب الأدب»، وتناول موضوعات عامة تستهدف إرضاء لجان التحكيم وتحقيق مبيعات عالية على حساب العمق المحلي والخصوصية الثقافية للعمل الأدبي.


جودة وإبداع
ولفتت شيرين الزقزوقي، العضوة في نادي «ملتقى الروايات»، إلى أن الجوائز الأدبية قدمت دفعة قوية للكاتب العربي نحو التطوير والابتكار، مشيدة بشكل خاص بدور الإمارات في دعم هذا الحراك الثقافي.
ورأت شيرين أن الجوائز منحت الكتَّاب حرية أكبر في طرح الموضوعات وكسرت القوالب النمطية؛ إذ لم تعد الجوائز حكراً على أسماء أو جنسيات معينة، بل أصبحت تعتمد معايير الجودة والإبداع، ما شجع الكتَّاب على الطموح والوصول بمؤلفاتهم إلى منصات التتويج.