ثمة لحظة فارقة في أدب الرحلات العربي خلال القرن التاسع عشر، علينا إعادة قراءتها، خاصة حين أصبحت أوروبا مكاناً يراقبه العربي ويصف عاداته ويفكك أسباب تقدمه.. ومن أبرز هؤلاء العرب ثلاث شخصيات أنتجت رحلاتهم وعياً نوعياً في القرن التاسع عشر الميلادي، ومختبراً جاهزاً لدراستها اليوم، فلا زالت أفكارهم المكتوبة متقدة حتى هذه اللحظة.
رفاعة الطهطاوي
ابتعث محمد علي باشا حاكم مصر، رفاعة الطهطاوي، الذي وصل باريس عام 1826م، وبقي فيها خمس سنوات، كإمام ومرشد ديني لأعضاء البعثة التعليمية، وعلى الرغم من وظيفته ومهامه، أخذ يعلم نفسه ذاتياً، فأتقن اللغة الفرنسية في وقت قياسي، فتعمق في علومهم وفلسفتهم وتاريخهم.. إلى الجغرافيا والقانون، كما قرأ لأبرز فلاسفة التنوير الغربيين، مثل فولتير وروسو ومونتسكيو، كما ترجم العديد من الكتب الفرنسية إلى العربية، في العلوم العسكرية والتاريخ والجغرافيا.. ثم عاد إلى مصر ليكتب كتابه الشهير "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، وفق منهجية تقوم على أخذ المفيد، وترك الضار.
الباريسيين
ومن يقرأ كتابه يراه شديد الإعجاب بالعدالة وتنظيم القوانين والحرية السياسية، والاهتمام بالعلوم والفنون والنظافة واجتهاد الباريسيين في أعمالهم.. لكنه بالمقابل انتقد العادات الاجتماعية المتحررة، ومظاهر اللباس أو الاختلاط، وبعض السلوكيات الشخصية التي رأى أنها لا تليق بالأخلاقيات الشرقية ولا توافق الجانب الشرعي والديني.
أحمد فارس الشدياق
أما الشخصية الأخرى فاللبناني أحمد فارس الشدياق، المعروف بعبقرتيه اللغوية، حتى كان يوصف بجاحظ عصره، لتبحره في علوم اللغة العربية واشتقاقاتها، ومفرداتها النادرة.. ولد الشدياق مسيحياً مارونياً ودرس اللاهوت، ولاحقاً وبسبب ظروف عائلية تحول إلى المذهب البروتستانتي، هذا التحول جعله قريباً من الإرساليات والجمعيات البريطانية البروتستانتية، التي كانت تبحث عن مسيحي شرقي عربي يفهم عقيدتها ويتقن العربية.. فسافر بطلب من جمعية الأسفار البريطانية، كما ترجمها العرب، (المبشرين البروتستانت) إلى لندن عام 1848م، ليشارك في ترجمة الكتب المقدسة: التوراة والإنجيل إلى اللغة العربية.
كشف المُخبأ
وعاش أحمد فارس الشدياق في إنجلترا ثم فرنسا ومالطا، والقارة الأوروبية.. نحو عشر سنوات، وألف أهم كتب الاستغراب أو الرحلات، وأبرزها كتاب "كشف المخبأ عن فنون أوروبا"، بالإضافة إلى كتابه الشهير "الساق على الساق"، وكعربي وشرقي وجّه انتقاداً لاذعاً إلى المجتمع والأخلاق، من ناحية جشع الرأسمالية الأوروبية، وأخلاقيات التعامل اليومي، والطبقات المتعالية التي عاينها في لندن بشكل شخصي..
الجانب المظلم في أوروبا
كما رصد الشدياق بؤس الثورة الصناعية، ولم ينبهر بالمظاهر كغيره، فكتب عن الفقر وعمالة الأطفال، والجانب المظلم للمدينة الصناعية.. بينما إعجابه المشروط كان بنظم المكتبات، وحرية النشر، والتعبير، والتقدم العلمي، والاهتمام باللغات، والترتيب الإداري في البلاد.
فكان الشدياق يرى أوروبا القرن التاسع عشر متفوقة مادياً وعلمياً، لكنها متأخرة ومريضة إنسانياً واجتماعياً، مما جعل كتابه مادة غنية ومختلفة عن الانبهار المطلق.
خير الدين التونسي
لم يذهب خير الدين التونسي، كالطهطاوي مبتعثاً كإمام مع الطلاب، كما أنه ليس بأديب كالشدياق، إنما كان إدارياً ورجل دولة، ومصلحاً سياسياً وقائداً عسكرياً، أرسله حاكم تونس أحمد باي الأول إلى فرنسا عام 1853م، في مهمة سياسية ودبلوماسية، تتعلق باسترجاع أموال الدولة التونسية المختلسة من وزير ماليتها الهارب إلى فرنسا..
المسالك
عاش خيرالدين التونسي في فرنسا ما يقارب أربع سنوات، لمتابعة القضية وإرجاع المال، بالمقابل أتاح له هذا البقاء الطويل فرصة دراسة النظم السياسية والاجتماعية في فرنسا.. أثمرت إقامته عن كتابه الشهير "أقوّم المسالك في معرفة أحوال الممالك"، والذي وصف فيه شوارع أوروبا بانبهار، وكان في العمق هو تشريح سياسي واقتصادي، فكان يركز في كتابه بحثاً عن سرّ التفوق، أنه ليس في مسيحيها ولا في عرقها، فالسر في التنظيمات السياسية، والعدالة والمحاسبة والحرية المقيدة بالقانون..
ولأنه سياسي دعا المسلمين والعرب صراحة اقتباس النظم الإدارية والاقتصادية من أوروبا، خاصة البرلمانات والمصارف والصناعة، واعتبر أن الأمر لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، لأنه من باب المصالح المرسلة.. فكان نقداً متوازناً خاصة أنه حذر من الانبهار الأعمى بالغرب الذي يؤدي إلى ذوبان الهوية الإسلامية.. كما نبّه إلى الأطماع الاستعمارية الأوروبية المتربصة بدول شمال أفريقيا.
الهجرة العكسية
واستناداً إلى ما سبق، نلاحظ أن رحلات الطهطاوي والشدياق والتونسي إلى أوروبا كانت أقرب إلى هجرة عكسية في المفهوم، ففي الوقت الذي كان فيه المستشرق الغربي يشخّص الشرق كـ "موضوع" غارق في سكونيته التاريخية وعواطفه، مستخدماً المعرفة كأداة للهيمنة وبناء مركزية أوروبية متعالية، كان الرحالة العربي يمارس ثقل الانكسار الحضاري، فرفضوا من خلال كتاباتهم أن يكونوا مجرد مرآة تعكس بريق الحداثة الغربية.
نتيجة كتاباتهم تبدو أيضا في تفكيكهم وَهْمَ الكتلة الواحدة، فلم يروا في أوروبا نموذجاً مطلقاً يجب اعتناقه بالكامل، أو رفضه بالكامل، فالطهطاوي فكك الحداثة وحوّلها إلى أدوات معرفية قابلة للتوطين، والشدياق اخترق الرخاء المادي ليعرّي بؤس الإنسان الأوروبي.. بينما التونسي، نزع القداسة عن التفوق الغربي وأرجعه إلى أسباب بشرية دنيوية، وهي المؤسسات والقانون.
واليوم، هل أنتج الاستشراق معرفة تبرر الاستعمار وتكرس التبعية؟ وهل أنتجت رحلات هؤلاء الثلاثة وعياً نقدياً يؤسس للنهضة؟ أم ثمة وعيٌ يرى في الآخر شريكاً في الإنسانية؟
وتبقى قراءتهم قراءةً، تجعل من الذات العربية ذاتاً فاحصة ومصححة، ورحلات عربية واجهت فائض القوة الغربية بفائض من الوعي الأخلاقي والسياسي.






