استلهم المصمم المعماري الفرنسي جان نوفيل، الحائز على جائزة بريتزكر، تصميم سقف متحف اللوفر أبوظبي من التراث المعماري العربي الأصيل، وبالتحديد من سقف سعف النخيل في بيوت العرشان، و"العرشان" جمعاً شائعاً للعريش في التراث واللغة، وهو بناء مصنوع من سعف وجريد النخل، فكان يُعد تكييفاً طبيعياً يسمح بمرور الهواء الساخن للأعلى وخروجه من الفراغات، مما يلطف الجو داخلياً.
كما تسمح هذه الفتحات الفطرية الطفيفة لجريد النخل في السقف، بمرور أشعة الشمس بشكل متناثر، مما يخلق ظلالاً متحركة تشبه واحات النخيل، وبالتالي هي تهوية مستمرة بين النسيج المَسَاميّ لجريد النخل مرور نسمات هواء باردة، بتدوير الهواء النقي داخل المبنى دون الحاجة لطاقة كهربائية، فهو يعتمد كلياً على استدامة المواد المحلية والطبيعية من أشجار النخيل، كما أنها خفيفة الوزن..
بيوت العرشان والواحات
وحين كان جان نوفل يتجول في صحراء أبوظبي والمنطقة الغربية، وواحات النخيل.. أعجب جداً ببيوت العرشان، وخاصة السقف، الذي يمنع أشعة الشمس المباشرة الحارقة، ويحولها إلى إضاءة طبيعية خافتة مريحة للعين البشرية..
فالمصمم المعماري الحقيقي يبني تصميم معماره من حيث ينتمي إلى المكان الذي سيقام فيه، مستجيباً لعمارته التقليدية ومناخه وشمسه. ومن هنا جاءت إحدى أبرز أفكار المتحف، هي أشعة الشمس، وهي تلقي على الأرض والجدران ظلالاً متحركة تشبه تلك التي يصنعها سقف سعف النخيل في بيوت العريش.
القبة
كانت الفكرة الأخرى التي ألهمته أيضاً، استخدام قبة عملاقة تشبه سقف العريش، والقبة في جذورها أساس المعمار في الحضارة الإسلامية والعربية، فالقبة في لسان قدماء العرب تعني أصلاً الخيمة الصغيرة المستديرة.. لذا القبة في الوجدان العربي ارتبط بالسيادة والمكانة الرفيعة.. وهذا ما قام به الخليفة الأموي عبد الملك بن مران، في تشييد قبة الصخرة في القدس، حماية للصخرة، وكمظلة سيادية كبرى..
جان نوفيل حول فكرة سقف جريد النخل، من البيئة الإماراتية العربية الأصيلة، إلى قبة هندسية ضخمة لمتحف اللوفر، عبر دمج التراث الشعبي بأحدث تقنيات الهندسة الرقمية والمعدنية في قبة عملاقة يبلغ قطرها 180 متراً/ وتتكون من 8 طبقات معدنية متراكبة ومتداخلة من الفولاذ والألمنيوم.. وتصبح ذات الفكرة في منع أشعة الشمس المباشرة مع ترك مجالات للتهوية.
ضيوف اللوفر أبوظبي
بعض ضيوف اللوفر يشعر بأن نوفل جسّدَ مطراً مضيئاً أثناء تجربة السير أسفل القبة.. فالضوء يتحرك على الجدران وأسطح المياه داخل المتحف، مما يخلق ظاهرة بصرية ديناميكية ساحرة.
وأخيراً خرج السقف الإسمنتي للمتحف بعد تصميمه ليعبر عن أسقفنا الماضية، مكوّناَ أشكالاً وألوانا فاتنة كما ظلال السعف في ضيائه المنعكسة على أرض البيوت، التي كدنا أن ننساه، ليذكرنا به هذا المصمم الفرنسي المدرك لتاريخنا بعد تجسيده هندسة تمثل هويتنا، مُسقطا الظلال الهندسية على أرض متحف اللوفر في أبوظبي، ليُمثل تصميم المتحف مزيجاً فريداً بين التصميم التقليدي وتقنيات البناء الحديثة، وتُشجع البيئة الهادئة الزوار على الاستمتاع بالعلاقة المتغيرة باستمرار بين الشمس والقبة، وبين البحر والمباني واليابسة.
جوائز
متحف اللوفر الذي جعل المفهوم الهندسي المعقد واحداً من أكبر مشاريع المتحف ابتكاراً وتحدياً في العصر الحديث، بعد أن جرت مرحلة التصميم إلى التطوير ثم البناء من عام 2006 إلى 2017م، والمثير للانتباه أن المتحف قبل اكتماله، وفي مراحله الأخيرة، حصل على عدة جوائز دولية، مثل جائزة مشروع المستقبل، ضمن جوائز تصميم الهوية عام 2015م، وجائزة التصميم الفولاذي الأوروبية عام 2017م، بالاشتراك مع الشركة المنفذة، وهي شركة "واغنر بيرو" النمساوية والمتخصصة في تصميم قبة المتحف.









