ما سرّ تكرار الدائرة في آثار الإمارات؟

المدفن الدائري ونقش المها العربية في مدخله.. في موقع حيقة آثار هيلي بمدينة العين..
المدفن الدائري ونقش المها العربية في مدخله.. في موقع حيقة آثار هيلي بمدينة العين..
هيكل معماري دائري يرجع لحظارة أم النار في موقع مليحة الأثري
هيكل معماري دائري يرجع لحظارة أم النار في موقع مليحة الأثري
مدفن دائري يقع عند أطراف بساتين النخيل في منطقة شمل برأس الخيمة
مدفن دائري يقع عند أطراف بساتين النخيل في منطقة شمل برأس الخيمة
قبر دائري في  جزيرة ساس النخل، أم النار  بأبوظبي
قبر دائري في جزيرة ساس النخل، أم النار بأبوظبي
قبر دائري في مركز مليحة للآثار في الشارقة
قبر دائري في مركز مليحة للآثار في الشارقة
مدفن دائري برجي مخروطي في جبل حفيت بمدينة العين (اليونسكو)
مدفن دائري برجي مخروطي في جبل حفيت بمدينة العين (اليونسكو)
القرص الدائري الأثري عبارة عن دبوس زينة مصنوع من العاج، طُعم بعضها بحجر العقيق الأحمر.. ومن موقع جبل البحيص الأثري في الشارقة
القرص الدائري الأثري عبارة عن دبوس زينة مصنوع من العاج، طُعم بعضها بحجر العقيق الأحمر.. ومن موقع جبل البحيص الأثري في الشارقة
جرة الأفاعي الشهيرة المكتشفة في موقع ساروق الحديد الأثري في دبي
جرة الأفاعي الشهيرة المكتشفة في موقع ساروق الحديد الأثري في دبي
صدفة مخروطية مزخرفة للأسد رمز الشمس.. تعود إلى موقع ساروق الحديد في دبي
صدفة مخروطية مزخرفة للأسد رمز الشمس.. تعود إلى موقع ساروق الحديد في دبي
حلقات الزهور من الذهب الخالص،، مُخرزة ومحفوفة بالنتوءات الصغيرة، والإسطوانة الذهبية المجوفة تعود إلى موقع ساروق الحديد ..
حلقات الزهور من الذهب الخالص،، مُخرزة ومحفوفة بالنتوءات الصغيرة، والإسطوانة الذهبية المجوفة تعود إلى موقع ساروق الحديد ..
دوائر الأجرام  السماوية في صفيحة فضية خالصة، من موقع مليحة الشارقة
دوائر الأجرام السماوية في صفيحة فضية خالصة، من موقع مليحة الشارقة
قرص الشمس مرسوم على صدف، من موقع ساروق الحديد
قرص الشمس مرسوم على صدف، من موقع ساروق الحديد
وعاء اسطواني وزخارف دائرية
وعاء اسطواني وزخارف دائرية
الدائرة في الأواني الشريحة الثالثة الحجرية
الدائرة في الأواني الشريحة الثالثة الحجرية

الدائرة من أكثر الأشكال حضورًا في آثار دولة الإمارات، إذ تتكرر على الأختام، والحلي، والأواني، والزخارف، واللقى الأثرية، والأهم أشكال القبور التي تعود إلى آلاف السنين. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا هذا التكرار؟

عندما يقف الزائر أمام القبور الدائرية في أم النار في أبوظبي، أو الهيلي وجبل حفيت في مدينة العين، ومليحة في الشارقة، أو منطقة الشمل في رأس الخيمة... يلفته سؤال بسيط: لماذا تتكرر الدائرة بهذا الحضور اللافت في المدافن المكتشفة؟

كما لا تبدو الدائرة هنا مجرد اختيار جمالي، فهي تتكرر في العمارة الجنائزية، وأيضا في النقوش، وفي اللقى الأثرية، مثل الزخارف الدائرية المحفورة على الجرار والأواني والحلي المكتشفة في المواقع الأثرية الإماراتية، حتى تكاد تصبح الدائرة هي اللغة البصرية الأكثر حضورًا في آثار الإمارات القديمة. وهذا يدفع إلى البحث عن معناها، لا عن شكلها فقط.

على مستوى القبور، أو المدافن الدائرية، وعلى الرغم أن حجرات الدفن الداخلية ليست دائرية، لكن من يرى القبر يشغله السؤال حول ظاهِرِه: لِمَ القبر دائري من الخارج؟ خاصة أن أحجار القبور مُختارة بعناية فائقة، ومُشذَبَة في جوانبها باستدارة تشكيلية رصينة، وبطريقة التحزيز، فلماذا الدائرة دون سواها من الأشكال في اختيارهم، إذ لا أشكال هندسية أخرى كالهرم المثلث؟ أو مستطيل في توابيتٍ بطولِ الإنسان؟ أو لمَ الشكل الخارجي ليس مربعاً فهو الأكثر مواءمة مع مداخل الغرف الداخلية للمدفن الجماعي..

وحتى إن دنونا من الصناديق والجرار الحجرية الجميلة الصنع نجدها تحمل في قوامها دوائر مُنقطة، فعلى أبدانها الأسطوانية دوائر صغيرة كملمح ومهارة يحكمها الذوق، وعملٌ مسبوك، وإن مضينا إلى المخرجات من الأواني والمباخر والجرار.. فهي اسطوانية أو دائرية، لترافق هذه الأشكال الإنسان في مراحل تاريخية متعاقبة، من عصور ما قبل التاريخ حتى الفترات الإسلامية.. ورغم اختلاف الأزمنة والثقافات، بقي حضورها ثابتاً، في دلالة تستحق التأمل.

الإنسان القديم لم يكن يفصل بين ما يراه في الطبيعة وما يصنعه بيديه.. فكانت الشمس والقمر والكواكب والمجرات تدور أمامه، وكانت دورة الفصول، والحياة، والولادة، والموت، تمنحه إحساسًا بعالم لا يعرف بداية أو نهاية. ومن هنا اكتسبت الدائرة مكانة رمزية، وتعبيراً عن الاستمرار، ودورة الحياة، والاتصال بين الإنسان والكون، قبل أن تصبح عنصراً زخرفياً في الفن والعمارة.  

الدائرة هي الفضاء اللانهائي للحياة في هذا الكون، لذا ارتبطت في الأساطير الأولى للإنسان بالعمق وبالاتصال والتكامل وليس بالانفصال، فلا غرابة أن الزعامة والسيادة والخلق في التاريخ القديم، تكون للمرأة، أي الإنجاب، فهي العميقة والغامضة، فبقيت دائرة الحياة بخيرها وشرها حتى الموت، وضمن الحياة، يعود الإنسان ليعانق الموت في قبره الدائري، لتحمل القبور في هذا العالم الأجساد في عتمتها الداخلية لأفراد رحلوا عن الحياة بعد أن أدركوها بعطائها وشحها.

والمدفن هو المأوى الأخير، فانشغل الإنسان بالقبر واختلف عبر الزمن في طريقة دفنه حسب تقديره أو توهمه أو ظنونه.. لا تأكيده ولا تثبّته أو يقينه، فظل رهين هذا القبر بعد حياة دائرية حافلة.

وفي سواحل الخليج آمن الإنسان، وقبل ظهور الأديان السماوية الثلاثة، بالشمس فعبدها، فهي الحياة والعطاء والطاقة الكامنة بضوئها الغني الجالب للأرض الخيرات والحصاد، كما آمن بالقمر في ترتيب أشغاله وفق منازل القمرية الفلكية، كما اعتقد بوجود العين الحاسدة، واكتشف الكون والفضاء بالأبراج والكواكب المدورة، ووجد الأفعى الملتوية، وتأمل البطن الدائري للأنثى الحامل، ليكتشف عظمة الدائرة في فضائه المقدس، فأصبحت في فهمه هي الحياة الخالية بدوامتها اللانهائية..

وتيقنوا أن الدائرة لا سلطة لها، لكنها تبقى رغم كل شيء مدعومة من الشمس والكواكب الدائرية الأخرى، وبالتالي دورة الزمن بخيره وشره.

بينما الباحثون والآثاريون يرون أن سر هذا الحضور الدائري يعود إلى اجتماع الوظيفة والرمزية في آن واحد، فالدائرة من أسهل الأشكال تنفيذًا، كما أنها تخلو من البداية والنهاية، الأمر الذي جعلها ترتبط في كثير من الحضارات بمعاني الاستمرار، والحركة، والكمال، ودورة الحياة..

وأخيراً، ليس فقط المعتقد الديني هو الافتراض الذي شَكّل القبور الدائرية، فالأسباب العاطفية والفكرية أيضاً تداخلت معها، فالتفنن فيه ما هو إلا تقدير لهذا الراحل، والتصور الكامل لحياة مقبلة أخرى لن تنتهي أسفل الأرض، بل هناك دائرة أخرى، لينشغل هذا الإنسان بتكديس أدواته المعيشية الممكنة يوماً بعد يوم وطوال حياته، وجمع ما لديه، ليبقى معه عند الممات فيعينه في الحياة الأخرى.