مئة سفينة مفقودة.. مقبرة بحرية تعيد كتابة تاريخ البحر المتوسط

في أعماق خليج الجزيرة الخضراء قرب مضيق جبل طارق، لا يبدو قاع البحر مجرد مساحة مائية عادية في البحر الأبيض المتوسط،، بل يتحول إلى ما يشبه متحفا غارقا في الزمن، احتفظ بذاكرة تمتد لأكثر من 25 قرنا. هناك، بين الرمال والتيارات، اكتشف علماء الآثار البحرية ما يشبه "مقبرة تحت الماء" تضم بقايا أكثر من مئة سفينة مفقودة، تعود إلى عصور مختلفة تبدأ من الحقبة البونية، مرورا بالرومان والعصور الوسطى، وصولًا إلى الحرب العالمية الثانية.

هذا الاكتشاف الضخم جاء نتيجة مشروع بحثي واسع يُعرف باسم "مشروع هيراكليس"، استمر لثلاث سنوات، وكشف عن 151 موقعًا أثريًا موزعة على مساحة تقارب 29 ميلًا مربعًا بين السواحل الإسبانية وجبل طارق. ومن بين هذه المواقع، تم توثيق أكثر من 100 حطام سفينة، ما يجعل المنطقة واحدة من أكثر النقاط كثافة في التاريخ البحري المتراكم في البحر الأبيض المتوسط.

يصف الباحثون هذا الخليج بأنه مصيدة طبيعية للسفن، إذ إن جميع السفن المتجهة بين البحر المتوسط والمحيط الأطلسي لا بد أن تمر عبر مضيق جبل طارق، وغالبًا ما تضطر للتوقف في هذا الخليج بانتظار تحسن الظروف الجوية أو التيارات القوية. ومع مرور القرون، تحول هذا الانتظار المتكرر إلى سلسلة من الحوادث البحرية، سواء بسبب العواصف أو الحروب أو الأعطال، لتتراكم السفن الغارقة طبقة فوق أخرى في قاع البحر.

ولا تقتصر أهمية الموقع على كونه ممرا تجاريا فحسب، بل شهد أيضا معارك بحرية كبرى، أبرزها معركة جبل طارق عام 1607 ومعركة الجزيرة الخضراء عام 1801، حيث دارت مواجهات عنيفة بين الأساطيل الأوروبية، تاركة وراءها بقايا سفن ما زالت مدفونة حتى اليوم.

الأقدم بين هذه الحطام يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، في زمن سيطرة القرطاجيين على غرب البحر الأبيض المتوسط، بينما تعود أحدثها إلى الحرب العالمية الثانية، مما يمنح الموقع تسلسلا تاريخيا نادرا يجمع بين حضارات متباعدة في مكان واحد. وقد أكد علماء الآثار، ومنهم فريق جامعة قادس، أن هذا التنوع غير موجود بهذه الكثافة في أي موقع بحري آخر في المنطقة، وفقا لموقع "dailygalaxy".

ومن بين أكثر الاكتشافات إثارة، وجود سفن تعود إلى العصور الوسطى، وهي فترة نادرًا ما يتم العثور فيها على بقايا خشبية محفوظة في البحر المتوسط، ما يفتح نافذة لفهم تقنيات الملاحة خلال الفترات الإسلامية المتأخرة في جنوب إسبانيا.

كما تم توثيق سفن من جنسيات مختلفة مثل الهولندية والإسبانية والإنجليزية والفينيسية، ما يعكس طبيعة المضيق كممر دولي للتجارة والحروب عبر القرون. وفي إحدى الحالات، تم اكتشاف سفينة حربية إسبانية كانت تُستخدم في القرن الثامن عشر بأسلوب تمويه يشبه قوارب الصيد، قبل أن تنقض على السفن البريطانية في هجمات مباغتة قرب جبل طارق.

ولم يتوقف المشهد عند التاريخ القديم، بل امتد إلى الحرب العالمية الثانية، حيث تم العثور على بقايا طوربيدات إيطالية من نوع Maiale، وهي أجهزة كان يقودها غواصون لتنفيذ هجمات سرية على السفن الراسية، في واحدة من أكثر تقنيات الحرب البحرية جرأة في ذلك الوقت.

لكن هذا الإرث البحري الضخم يواجه تهديدات متزايدة، إذ يخضع قاع الخليج لتغيرات مستمرة بسبب الأنشطة الصناعية والموانئ وحركة السفن الثقيلة، إضافة إلى انتشار طحالب غازية غطت أجزاء واسعة من الحطام، مما أدى إلى اختفاء بعض المواقع التي كانت مكشوفة لقرون.

ورغم ذلك، يسعى الباحثون إلى حماية هذا التراث الفريد عبر توثيقه رقميا باستخدام تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد والغوص الافتراضي، لإنشاء أرشيف عالمي يسمح بدراسة هذه السفن دون الإضرار بها، في محاولة للحفاظ على أحد أغنى السجلات البحرية في العالم.