مرت تسع سنوات وابن الجمّالية نجيب محفوظ، صامت رغم استمرار حواراته، تلك مسألة ربما تصعب على فهم البعض منها، إلا أن جسده تحلل وغاب عن الدنيا، مع ان الحياة ظلت تعيده إلى ذاكرتنا كلما تناولنا رواية ما لكاتب جديد أو من جيله، إذ تذكرنا بإبداعاته.

تحضرني مقولة مهمة له تتعلق بالجهل: «إذا لم ينقرض الجهل من بلداننا، فسيأتي السياح ليتفرجوا علينا بدل الآثار». وكأنه شاهد على التطرف الأعمى الذي يجتاحنا كالإعصار، في هذه السنوات القليلة التي مرت حينما عجز التطرف عن قتل الناس فاتجهوا الى تهديم الآثار التي تنطق رغم صمتها.

نجيب محفوظ لم ينج من التطرف والجهل حين تصدى له صبي أمي لم يقرأ حرفاً واحداً مما كتبه محفوظ، ليغرس سكيناً في رقبته عام 1994، وهكذا هم الجهلة الذين تقودهم نظرتهم العمياء للانتقام رغم أن محفوظ كان خير من حارب الظلم بالحب والظلام بالانفتاح، وهو كما يقول عن نفسه «ابن حضارتين» فأمه التي كانت لا تقرأ ولا تكتب، تأخذه صغيراً لزيارة المتاحف والمساجد القديمة والكنائس..

وكان يهوى مصر القديمة بكل ما فيها من عبق وتاريخ وتراث ومحبة، لم يترك الشارع ولا نبضه وعاش مع أبطاله في شوارع القاهرة القديمة: في الجمّالية وحي الحسين والسيدة زينب. وتشرب بكل ما هو مصري ـ عربي، لينبثق قلمه فيروي لنا ما يحدث في تلك العوالم من دون أن يبعدنا عن همومنا اليومية وتحولات العصر التي عاشها، أو أن يترك جذره الوفدي، بل ظل وفدياً حتى آخر كتاباته رغم كل التحولات التي حدثت على أرض الواقع، ورغم إيمانه بثورة يوليو وانعكاسات هزيمة 67 التي استعاد انعكاسها روائياً بملحمة الحرافيش.