اشتهر الفنان الراحل ناظم الغزالي، وكذلك يوسف عمر بأدائهما المتميز للمقامات العراقية التي هي أصل الموسيقى العربية، ثم جاء من بعدهما الراحلان عباس البصري وفؤاد سالم، إلا أن فريدة الآن تجلس على عرش هذا النوع من الطرب العربي الأصيل، بل تنقله إلى مستوى العالمية، وقدمت حفلاتها بالبلاط الهولندي أمام ملكة هولندا ورعايتها.

ولكن أستاذ المقامات هو بالفعل الفنان الكبير محمد القبانجي، وعمل على تطوير هذه المقامات بما يساعد الأذن المعاصرة على تقبلها والاستماع إليها، والقبانجي لم يكن مؤدياً للمقام بأصوله وأنغامه فحسب، بل أدخل على هذا الأداء الكثير من المتغيرات التجديدية، مما ساعد ناظم الغزالي ويوسف عمر أن يكونا قريبين من أذواق الناس، وانتقل القبانجي إلى رحمة ربه في الثاني من إبريل 1989..

ويقال إن الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب كان يحرص على اللقاء بالقبانجي عند كل زيارة له الى بيروت، ليستفيد من أصول المقامات العربية من خلال خبير كرس كل حياته للمقامات.

ومحمد القبانجي لم يكن فناناً فقط، فقد كان تاجراً كبيراً من تجار بغداد أيام الخير، فلم يعش على فنه، بل كان يدفع من جيبه لتطوير هذا الفن، كذلك كان محسناً كبيراً يحسن إلى الناس ويساعد الفقراء منهم..

وكان حريصاً على أداء صلواته الخمس بمواعيدها، بل وبنى مساجد جميلة ورائعة وكبيرة في بغداد لا تزال حتى اليوم شاهدة على نبله وتقواه، مثلما ظل فن المقامات مرهونا بتطوره وبجهوده، وبما استطاع أن يضيفه من فن معاصر له. محمد القبانجي استثناء للفن وللفنانين، فإضافة إلى كونه فنانا كبيرا، جمع ما بين التجارة والفن والتقوى والإيمان الراسخ بالدين وبأصوله.