في الاعتداء الثلاثي على بور سعيد عام 1956، كنا صبياناً نعبر عن شعورنا بالتظاهر والإضراب وبالهتافات، في حين كانت بورسعيد تقاوم ببسالة.
عام 1967 كبرنا، وكبر الهم معنا، انهيار الجيس المصري لم يبكنا فحسب، بل أدمى قلوبنا وجرح أعماقنا. عام 2003، سقوط بغداد لم يجرح قلوبنا فحسب، بل متنا ونحن نرى على التلفاز أبواب بغداد تنهار سريعاً.. وظل السيل الدموي ينزف وتنزف عروقنا حتى لم يعد لنا دم نعيش به. وتوالت الأحداث الواحدة تلو الأخرى..
وبدلاً من أن يكون لنا مهجرين في فلسطين كما اعتدنا منذ عام 1948، أصبحنا كلنا لاجئين، حتى ونحن داخل أقاليم بلداننا. توالى السقوط تباعاً: بيروت، دمشق، حلب، نينوى، الأنبار، ووصولاً إلى صنعاء وغيرها. العمر يمتد بنا، وقد تجاوزنا حمل السلاح، والانهيارات مستمرة لم يعد في العمر ما يخيفنا على النطاق الشخصي، لكن قلقنا على أولادنا وأحفادنا وما تبقى من الأرض التي لا تزال لم تلطخ بنزيف الدم.
ماذا بعد صنعاء؟
ما الذي يخبئه لنا القدر؟
ما هي المنطقة التي سيصبح أهلها لاجئين وتزرع في أرضها الجماجم، وتنسى أفراحها. يبدو أنني بدأت أهذي، وقد توقف العقل، بما يجري من حولنا وما يدور في الخفاء والعلن ولكن اعذروني، فأنا رجل مخضرم عشت كل التحولات والانزلاقات والانعطافات وسمعت كل الخطب الحماسية حتى جزعت منها.
في زمن الزعيم عبد الكريم قاسم، كانت إذاعة بغداد تذيع كل ربع ساعة قولاً من أقوال الزعيم، وانتشرت نكتة: يقال إن شخصاً شاهد جنازة، فصرخ بأعلى صوته، «روح الله رحمك، خلصت من أقوال الزعيم». عذراً على هذه النكتة، رغم حبي لعبد الكريم قاسم .. كان وطنياً.