وصل الحنين إلى بغداد ذروته بعد تصاعد الأحداث الأخيرة، وحاولت الابتعاد عن التلفاز وقراءة الصحف، بعد أن وصل القلب إلى مرحلة خطيرة من الألم، فبغداد ليست بلدي فحسب بل هي الحبيبة التي تولهنا بعشقها وبدلالها، وبفنها وآدابها وعلمها وتاريخها.
يقول ياقوت في معجمه إن الرشيد حينما خرج للحج ووصل زرود قال:
أقول وقد جزنا زرود عشيه
وكادت مطايانا تجوز بنا نجدا
على أهل بغداد السلام فإنني
أزيد بسيري عن بلادهم بعدا
أما المقريزي فيروي أن القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي حينما قرر الرحيل إلى مصر في عهد الظافر، خرج البغداديون يودعونه فقال:
سلام على بغداد من كل منزل
وحق لها مني السلام المضاعف
فوالله ما فارقتها عن قلى لها
وإني بشطي جانبيها لعارف
وفي «ألف ليلة وليلة» يقول «لما خرج الأمير من بغداد صار متحيراً في أمره، ولم يدر إلى أين يتوجه، ثم أنه سافر في البر ثلاثة أيام وحده، ولم ير راجلاً ولا فارساً، فطار رقاده وزاد سهاده وتفكر بأهله وبلاده، وصار يتقوت من نبات الأرض ويشرب من أنهارها».
وفي حكاية أخرى أن «منار السنا ابنة ملك الجان في واق واق ترفض مجد أبيها وهيبته وسطوته بين الجزائر الكثيرة، وتأتي لتعيش في بغداد مع زوجها حسن البصري، لأنها عايشت جمال بغداد ولا تستطيع أن تفارقها».
لو أردت الاستشهاد بالسلف والخلف وعشقهم لبغداد ما انتهيت وصدق الجواهري حينما قال:
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا أم البساتيني
إلى أن يقول:
إني وردت عيون الماء صافية
نبعاً فنبعاً فما كانت لترويني.