لا أحب الكتابة عمن أحب عند رحيلهم، إلا أن الوفاء واجب، هكذا اقنعت نفسي وسط لجة الحزن التي عشتها عند سماعي نبأ غياب المبدع نوري الراوي، الذي رهن آخر عمره لإعادة رسم كل معالم مدينته التي ولد على ثراها (راوه)، بعد أن غرقت بسيول الماء وحتى لا ينسى الناس في بلاد وادي الرافدين.

 

هذه المدينة التي عرفت بنواعيرها وأساليب بناء بيوتها الخاص. عسكر في المدينة لفترة طويلة من الزمن وحاول أن يرسم كل معالمها بالألوان، مخلفاً لنا عشرات اللوحات التي خلدت مسقط رأسه، متحدياً كل القرارات التي اتخذت لاغراقها.

 

نعم ربما يكون الهدف أكبر من المدينة، إلا أن الفن أكبر من القرار، ويمكن أن لا يشعر أحد حاليا بجهد هذا الفنان في تسجيل مناطق وحواري مدينته، لكن الأجيال القادمة ستظل واقفة طويلاً أمام هذا المنجز.

 

حين نظمت مؤسسة سلطان العويس الثقافية معرضاً له عام 2011 في دبي، عشق الراوي الإمارات وظل فيها حوالي شهرين، وخلال تلك الفترة كان مجلسه عامراً بالفنانين والمثقفين والصحافيين، بل كان متفائلاً بالحياة، حتى انه استجاب لغزل فتاة شابة عشقته، رغم أنه كان أكبر من جدها، إلا أنها عشقت به جمال الروح وتأمل الفنان، وفلسفة المبدع والمحب للحياة. والغريب انه كان يبادلها هذا الشعور، مؤمناً بأنه سيظل حياً سنين طويلة.

 

نوري الراوي. كم كنت جميلاً ورائعاً ومبدعاً.. وسأظل كل يوم أعمق النظر في لوحاتك التي تزين جدران منزلي، لأتمتع وأذكرك، وأعتز بكلمات الاهداء على تلك اللوحات بخطك الجميل.

سيظل مكانك في التشكيل العربي فارغاً، لن يستطيع أن يحتله غيرك.