البحر يغير ألوانه

ظل الشعر العربي على ما هو عليه، معتمداً على الشطرين والقافية والوزن الواحد، حتى نهاية الخمسينات من القرن الماضي، إذ ظهرت قصيدة التفعيلة التي كسرت الوزن الواحد وتعددت القوافي في القصيدة الواحدة. وبرزت في حينه، تجربتا بدري شاكر السياب ونازك الملائكة، وادعى كلاهما أنه هو المبادر، غير أنه في الواقع، لا يمكن الفصل بين المبادرتين كونهما متقاربتين.

نازك الملائكة توفت في القاهرة مغتربة عن وطنها. وكذلك بدر شاكر السياب توفي في الكويت غريباً على شاطئ الخليج، غير أن بدر عاد جثماناً ودفن في مقبرة الحسن البصري في البصرة، ويبدو أنها لعنة أصابت المبدعين العراقيين، تمثلت في العيش والموت خارج تراب العراق.

نازك الملائكة ولدت عام 23 أغسطس 1923، وتوفيت في 20/7/2007، عن عمر ناهز 84 عاماً، إثر هبوط حاد في الدورة الدموية. وهي سليلة بيت معروف بالثقافة. فوالدها مدرس للغة العربية. ولديه مؤلفات عدة، لعل أهمها: دائرة معارف الناس، الذي صدر بعشرين مجلداً. أما والدتها فهي شاعرة معروفة كانت تنشر قصائدها تحت اسم مستعار (أم نزار).

ولذلك، حينما كتبت نازك قصيدتها المشهورة «الكوليرا»، وقرأها والدها، زجرها ورمى القصيدة معترضاً على كسر القافية والوزن. وكذلك فعلت والدتها، إلا أن نازك وقفت بشجاعة لتعلن رأيها في أن هذا الشكل سيكون شكل القصيدة العربية في المستقبل، وهذا ما تحقق بعد نشر القصيدة ووقوف النقاد ضدها والهجوم على من كتبها.

اضطرت نازك إلى الهجرة مبكراً، من العراق، ولعدة مرات، وكان آخرها العيش في مصر. وأول ديوان شعر صدر لها عام 1947 «عاشقة الليل»، وفي عام 1962 صدر لها «قضايا الشعر المعاصر»، الذي أثار إشكالية كبيرة. وكان الكتاب يقدم دراسة مفصلة عن الشعراء. وأهدت الكتاب إلى الرئيس جمال عبدالناصر. وأدخلها هذا الإهداء في إشكالية مع نظام الرئيس عبدالكريم قاسم، وكانت قد أعلنت معارضتها لهذا النظام أيضاً. وأثار الكتاب ضجة عند النقاد الذين هاجموا نازك وحركة تطوير الشعر.

لنازك رسائل عدة مع معاصريها من الشعراء والكتاب، تعبر عن العديد من معاناتها الإنسانية في الحياة، واضطرارها أحياناً لترك الشعر، ولو لفترة قصيرة، أو معاناتها مع مرض والدتها، حيث رافقتها إلى لندن في رحلة للعلاج انتهت بانتقال الوالدة إلى رحمة الله، بين يدي ابنتها نازك.

ماذا كتبت نازك في تلك الرسائل؟

أحاول أن أتناول مقاطع منها في زاوية أخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات