«التعطّش إلى الإمبراطورية».. الشاي يشكّل العالم - البيان

خطورة العلاقة بين نزعة الاستهلاك وتيارات المدّ الاستعماري

«التعطّش إلى الإمبراطورية».. الشاي يشكّل العالم

صورة

في عام 1519 أبحر الملاح البرتغالي فرديناند ماجيللان من مسقط رأسه بجزيرة أيبيريا مخترقاً مياه المحيط الأطلسي، ليدور حول أقصى نتوء في أفريقيا ويطلق عليه اسم «رأس الرجاء الصالح»، ومنه إلى أغوار المحيط الهندي والمشارف الباسيفيكية للمحيط الهادي إلى أن حطّ رحاله على جزر الفلبين.


ورغم فقدان الملاح الأشهر حياته على يد أهالي التخوم المذكورة، إلا أن رحلته دخلت دفاتر التاريخ الإنساني، بعد اثباتها قاعدة: «الأرض التي نعيش على سطحها.. كروية»، ورغم أهمية هذا الإثبات إلا أنه أيقظ من الناحية الأخرى غريزة «الطمع البشري» السلبية، فلم يكد ينقضي على رحلة «ماجيللان» قرن أو أقل، حتى جاشت نفوس الدول في أوروبا الغربية بمراجل الطمع البشري، بعد أن ترجمه أهلها إلى كيانات مؤسسية دخلت التاريخ الحديث، بوصفها نذيراً مبكراً لبداية العصر الكولونيالي الذي أوغلت فيه قوى الاستعمار الغرب-أوروبي على اختلاف مسمياتها.

وبذلك شهد عام 1602 أول هذه الكيانات المؤسسية التي افتتحت حقبة الاستعمار الأوروبي بالعصر الحديث.


هذا العام شهد إنشاء شركة الهند الشرقية ـ الهولندية، التي أسست بواسطة حكومة هولندا مزوّدة بما وصفوه بأنه «رخصة» احتكار التجارة عبر منطقة شاسعة الأرجاء: ما بين رأس الرجاء الصالح وحتى المواقع الجنوب ـ آسيوية التي كانت يسيطر عليها قوى، استعمارية أوروبية تنتمي لبريطانيا والبرتغال.


ورغم أن التاريخ الطويل لتلك المؤسسات والكيانات الاستعمارية لايزال حافلاً بالأطماع والصراعات، إلا أن الباحثة، إريكا رابورت، استاذة تاريخ الثقافات في جامعات إنجلترا والولايات المتحدة، اختارت أن تتابع المسارات الأوروبية-الآسيوية من منظور مبتكر، في كتابها الصادر مؤخراً تحت عنوان رئيسي تلخصه عبارة «هذا التعطش نحو (تكوين) إمبراطورية»، فيما يبين العنوان الفرعي، مزيداً من التوضيح حول موضوع الكتاب، حيث تقول عباراته: «كيف شكّل الشاي واقع العالم الحديث».

المؤلفة أدارت طروحات كتابها حول محور أساسي تذهب فيه إلى أهمية «مشروب الشاي» في حياة العصر الحديث، خاصة بعد وصول جحافل القوات الهولندية، ومن بعدها القوات البريطانية إلى أقطار جنوب شرقي آسيا، لتبسط نفوذها وتشكل طلائع الحقبة الإمبريالية الأوروبية من حياة تلك الأصقاع الآسيوية، حيث كان أول ما طالعها، وفق المؤلفة، ما يتمثل في النبات الذي كانت تزرعه هذه البلدان، وقُدر له الانتقال لأوروبا، لتزدهر تجارته وتتسع نطاق توزيعه.


المؤلفة لا تدخر وسعاً في توضيح نوعية، وخطورة العلاقة التي ظلت تربط تاريخياً بين نزعة الاستهلاك التي لا تفتأ تستبد بالشعوب، وبين تيارات المدّ الاستعماري التي اجتاحت بلداناً شتى في آسيا وأفريقيا.

وتمثلت البداية في اندفاع نوازع هذا المدّ الإمبريالي لتلبية احتياجات المستهلكين والتجار في أوروبا الغربية، ليشهد تاريخ العالم صراعات من أجل التوابل من الهند، والشاي من سيلان والصين في آسيا، والعاج والبن بمزارع كينيا.

وكان طبيعياً ارتباط ازدهار التعاملات التجارية بتلك الأصناف المجلوبة من بلدان الشرق الأقصى والشرق الأفريقي بغرض تلبية احتياجات وأذواق الشعوب في غرب أوروبا، ومن ثم سكان «العالم الجديد» في الولايات المتحدة وخاصة خلال سيطرة انجلترا الاستعمارية على هؤلاء السكان.

وقد بلغ من أهمية الشاي في حياة الأميركيين أن ظل تاريخهم يروي حكاية التمرد العنيف الذي شهده ميناء «بوسطن»، حيث ثار السكان المحليون في 1773 على قيام السلطة البريطانية (الاستعمارية) بفرض ضريبة على أصناف الشاي، فكان أن صعد الثوار على ظهر ثلاث سفن بريطانية، وعمدوا لإلقاء شحنات الشاي التي كانت تحملها في مياه المرفأ، وهو ما استوحته حركات التمرد التي شهدتها فترة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، في عام 2011 احتجاجاً على رفع معدلات الضرائب، مع المطالبة بخفض نفقات الحكومة الاتحادية.
 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات