ثمة تيار جديد ما برح يواصل زحفه وتقدمه في ساحة السياسة والعمل العام في الولايات المتحدة الأميركية وفي أوروبا على السواء، يحمل الاسم التالي: الشعبوية الجديدة (Neo-Populism).

المراقبون والمحللون السياسيون بدؤوا في رصد هذا التيار الذي رأوا أنه متزامن مع بدايات دخول المرشح الجمهوري الملياردير- الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأميركية- دونالد ترامب، إلى مضمار السباق الرئاسي. ومن ثم عاينوا عنفوان واستشراء هذه الشعبوية المحدثة مع الأسابيع الأولى من ولاية الرئيس ترامب بكل ما ارتبط بها.

هكذا، ووسط هذه الأجواء التي تخيم عليها سحب التشكك وافتقار التيقن، يصدر كتاب جديد ليأتي في موعده تماماً.. حاملاً عنوان «من يحسم الصدق في الإعلام؟ مطلوب مؤسسات مهنية للتحقق من صحة الرسائل الإعلامية» ومؤلفه هو البروفيسور لوكاس غريفز، أستاذ الإعلام والاتصال الجماهيري في جامعة «وسكونسون».

ويرصد الكتاب ما أصبح مطروحاً ومتداولاً على الساحة الإعلامية في أميركا من أخبار ومعلومات ومقولات تشوبها آفة الخلط وغياب الدقة ومشكلة الالتباس بين الخطأ والصواب.

وهو ما ينشر بين ثنايا المجتمع حالة بالغة الخطورة من البلبلة أو من الاضطراب بل واللا يقين. ويشرح كيف أنه، وفي غمار هذه الحالة، توقف الكثيرون مثلاً أمام تعبير «الحقائق.. البديلة» الذي أطلقته واحدة من كبار مستشاري البيت الأبيض، بقدر ما توقفوا أيضاً عند العبارات والأوصاف التي وجهها الرئيس ترامب إلى مؤسسات إعلامية بارزة، مثل صحيفة «نيويورك تايمز» وقناة «سي.إن.إن» التلفزيونية الإخبارية. وحوت اتهامات لتلك المؤسسات المهنية، التزييف والكذب أو الاختلاق أو التلفيق.

إن الصحافة المقصودة في الكتاب الذي بين أيدينا، لا تقتصر على الجانب المطبوع، ولكن تشمل أيضاً كل ما يصدر مطبوعاً أو مذاعاً أو منشوراً في مجال الإعلام. وفي الفصول الأولى يرصد المؤلف، من منظور النقد، ما لاحظه أخيراً من غياب آليات رصد الحقيقة في الصحافة، ومتابعة حالات الالتزام بها أو حالات مجافاتها والتباعد عنها لخدمة أهداف سياسية أو مادية وما في حكمها.

وينوه الكتاب بما استطاعت «منافذ رصد الحقيقة» كما يصفها المؤلف، أن تنجزه عبر سنوات العقد الأول من هذه الألفية الثالثة: منها ما كان مستقلاً ويحمل اسم «الحقيقة السياسية» أو اسم «منظمة الكشف عن الصدق». ومنها ما كان يشكل جزءاً عضوياً من منظومة صحفية أميركية كبرى في مستوى جريدة ال«واشنطن بوست».

وهنا يذهب مؤلفنا إلى أن هذه المنافذ الكاشفة بذلت جهوداً حثيثة هزّت عالم السياسة، حين ظلت تحاسب كبار المسؤولين وكبار المتنفذين من صانعي القرارات وتضعهم عند مسؤولياتهم وبالتحديد تحاسبهم على ما كان يصدر عنهم من أقوال وتعبيرات وتصريحات..

وكان من شأن هذه المحاسبة الإعلامية – كما يضيف الكتاب-، أن وُضعت الحملات الانتخابية وأصحابها على محك المسؤولية على أساس إدراكهم أن ما يقولونه من فوق منابر العلن الإعلامي لن تتبدد أصداؤه في الهواء، بقدر ما أنهم سيكونون مسؤولين عما يقولون أمام محكمة الجماهير من متلقي الرسالة التي يعبرون عنها.

ويوضح الكتاب أيضاً أن عملية مراجعة الحقائق بمعنى إخضاع المادة الإعلامية الصادرة عن كبار المسؤولين- عبر اختلاف أنماط ومستويات المسؤولية، لمقاييس الفرز ومعايير التحقق والغربلة والتمحيص، هي مهمة تختلف نوعياً عن مهمة العمل الصحفي، وبمعنى أن المندوب الإعلامي تقتصر مهمته على تغطية الحدث .

وعلى نقل وقائعه وتطوراته متوخياً في ذلك أقصى ما يستطيع من الدقة والأمانة المهنية، في حين أن مهمة التحقق أو التمحيص. إنما تنفذ إلى أعماق الحدث أو التصريح أو السلوك الصادر على ساحة المجال العام من أجل أن تسبر أغواره وتراجع بنوده لكي تميّز بين الحقيقة والوهم، أو بين الصدق والتمويه وكله لمصلحة الجماهير من مستقبلي الرسالة الإعلامية في التحليل الأخير.

توضح فصول الكتاب أيضاً كيف أن عملية التحقق المذكورة أعلاه باتت تزداد من حيث الأهمية، بل والضرورة الحيوية مع اتساع اللجوء إلى وسائل الاتصال الاجتماعي التي لم تعد تحتاج بداهة، إلى جهاز رسمي، ولا إلى دائرة حكومية لكي تبث رسائلها الموجهة إلى ملايين الناس، وخاصة من قطاعات الشباب..

وأحياناً من الطبقات الأدنى من حيث حصيلة التعليم ومستوى الثقافة.. هنالك يزداد الاحتمال بأن تصدر الرسالة الإعلامية مجردة من عنصر المسؤولية، سياسية كانت أو اجتماعية أو أخلاقية. ولدرجة أن يصلح معها التعبير الشائع في الثقافة العربية الكلاسيكية: «إلقاء الكلام على عواهنه»، فما بالنا وقد أصبح لدينا بفضل الابتكارات، «هل نقول الفتوحات التكنولوجية الأخيرة في عالم الاتصال الجمعي والكوكبي؟»

، ما يطلق عليه مؤلف الكتاب الوصف التالي: «بلوغوسفير»، بمعنى: المجال الكوني الذي تسبح في أجوائه مواد وبنود الاتصال فيما بين ملايين البشر من سكان كوكبنا، متجاوزةً في ذلك حدود الأقطار والقارات والثقافات.

في كل حال يتعامل المحللون السياسيون مع هذا الكتاب على أنه دعوة من باحث متمكن ومتحمس، من حيث الدرس والخبرة، في دنيا الإعلام، من أجل ما يوصف بأنه «صناعة ناشئة»، أي نشاط مستجد ومطلوب تتولى أمره دوائر مهنية ومؤسسات احترافية فيما تتمثل مهمتها المحورية في التحقق من صدق ما يقال وما يذاع ما بين ملاءمته أو مجافاته للواقع الموضوعي أو للحقيقة الواقعة أو للتاريخ الموثوق.

وهو ما يرتفع بالرسالة الإعلامية -في تصوّر مؤلف هذا الكتاب-، بعيداً عن الكذب أو التلفيق أو المداهنة أو نفاق جماهير مستقبلي هذه الرسالة، وبحيث تسترد الرسالة الإعلامية مصداقيتها ودورها في دفع المجتمع الإنساني قدماً إلى الأمام.