استأثر كتاب «أزمة بناء الدول وحدود التدخل الأجنبي الخارجي»، للمفكر الأميركي البروفيسور دﻳﭭيد ليك، الذي صدر في عام 2012، باهتمام فئات كثيرة وجماعات شتى، إذ يستوي في ذلك دارسو السياسة وأهل الحكم وأساتذة التاريخ والمهتمون بما عسى أن تأتي به التطورات في مستقبل الأيام.

والكتاب المذكور من تأليف اثنين من علماء السياسة والاقتصاد، أولهما البروفيسور التركي الأصل دارُون قاسيموغلو، وهو أستاذ في علم الاقتصاد، والثاني البروفيسور ﭽيمس روبنسون، أستاذ العلوم السياسية. وفيه عمد المؤلفان إلى تنبيه القارئ إلى أن بحثهما سيعرِض على مدار الصفحات، إلى ما وصفاه بأنه: أصول السلطة وجذور الفقر والرخاء.

والحاصل أن جاءت هذه النوعية من الكتب لتؤكد مدى الاهتمام الذي ما برح الدارسون يولونه إلى ذلك الكيان، الذي لا يزال يعرف في علم السياسة باسمه المتداول: الدولة. فهي الكيان الذي ظل يعني ـ على مر العصور الحديثة بالذات ـ، ترجمة هيكلية وتنفيذية لواقع السلطة الحاكمة وللمشروع الاجتماعي ـ الاقتصادي الذي تقوم على تبنيه ومتابعته وتنفيذه السلطة المذكورة أعلاه.

وكان قد عرض العلّامة عبد الرحمن بن خلدون (ت 1406)، لمؤسسة الدولة من خلال رؤيته الثاقبة التي جمعت في كتابه الموسوعي «المقدمة»، مبيناً جانب السلطة (المُلْك عند ابن خلدون) وجانب السياسة (أسلوب الحكم)، ثم تحدث عن جانب الرشد أو العقل البشري. إلا أن مصطلح الدولة في مفهومه الأحدث ومن ثم المعاصر إنما يرجع عند علماء التاريخ السياسي الحديث إلى عام 1648 للميلاد.

وبالتحديد إلى الحدث الذي شهدته القارة الأوروبية وعُرف في تاريخها المعاصر بالاسم التالي: «.. معاهدة وستفاليا»، وهي الوثيقة التي جاءت لتمثل اختتام حقبة دامت على مدار جيل كامل، وشهدت فيها القارة الأوروبية صراعات دموية بين أطرافها خلال ما عرف بـ«حرب الثلاثين سنة». وبعدها، نشأت المؤسسة التي غدت تعرف باسم الدولة في معناها الحديث وحسب مصطلحها المتداول حتى الآن.

من هنا جاءت انشغالات الأطراف المعنية بالدولة بوصفها الأداة المحورية التي تتجسد في كيان مؤسسي يتفرع بدوره إلى مرافق وكيانات تجمع بين عملية الإنتاج وتقديم الخدمات، وتجمع في الوقت ذاته بين ضرورات الولاء لها والانصياع لما يصدر عنها من أوامر ونظم ولوائح ومراسيم.

من هنا جاءت أهمية مصطلح «بناء الدولة» ولا سيما في ضوء التطورات، الصاعقة أحياناً، التي استجدت على خارطة عالمنا. فمع حلول القرن العشرين على وجه الخصوص، بدأت هذه التطورات باندلاع حرب كونية دامت 4 سنوات (1914 ـ 1918)، وأنهت وجود الكيانات الإمبراطورية التي كانت تحكم معظم أقطار أوروبا.

وقبل أن يسترد العالم أنفاسه من ويلات تلك الحرب، اندلعت حرب أخرى أشد ضراوة ودماراً: الحرب العالمية الثانية، والتي ألحقت دماراً كبيراً بهيكلية وأجهزة الدولة في كل من ألمانيا وإيطاليا واليابان على وجه الخصوص. لا بل حتى قارة أفريقيا لم تسلم من انهيارات كيان الدولة، بسبب ما شهدته أصقاع القارة السمراء من صراعات إثنية وحروب إقليمية ونزاعات أهلية.

يتألف الكتاب من 7 فصول تدور في أغلبها حول قضية السيادة، باعتبار أن السيادة هي الترجمة العملية لوجود الدولة ووظيفتها ومشروعية نهوضها بالمهام المطلوبة منها.

ومن هنا، يعرض المؤلف منذ الصفحات والمقولات الاستهلالية من الكتاب، لقضية السيادة من جهة، ولجوانب المشروعية والولاء من جهة أخرى، حيث يرتبط ولاء المحكومين ـ المواطنين بمدى ما تتمتع به الدولة (الحاكمة) من مشروعية، وحيث إن هذه المشروعية تظل مستمدة في الأساس من واقع نهوض الدولة بمهامها المحورية التي بدأت منذ عصر الدولة الحديثة (منتصف القرن 17).. وإلى أن بلغت ذروة تألقها، باهتمام الدولة المعاصرة بتحقيق «السعادة» لجماهير المحكومين.

لكن، بعيداً عن حكاية الحق والواجب، ناهيك عن حالة الرضا - الارتياح أو السعادة الاجتماعية، فإن الكتاب لا يعفي قارئيه من التعرّض لمشاكل وتراجيديات بناء الدولة في كل من «الصومال» (الفصل الخامس) و«العراق» (الفصل السادس).

ويؤكد المؤلف هنا أن أخطر ما أصاب البلدين المذكورين لا يتمثل في نقص الموارد ولا نقص المواهب أو الكفاءات، إنما يتمثل في مشكلة تتلخص في عبارة موجزة: «نقص الاستقرار». بل وفي غياب الاستقرار في بعض الأحيان.

ويسوق المؤلف أمثلة عن أزمة بناء الدول، وخاصة في أعقاب التعرض لأزمات، سواء جاءت من خارجها، كما كان الحال في العراق بعد أحداث الغزو الأميركي عام 2003 بقرار الرئيس الأميركي الأسبق ﭽورﭺ دبليو بوش، أو في اندلاع لهيب الصراعات الداخلية على نحو ما شهدته وما برحت تعانيه الصومال.

أما الأزمة في العراق، فهي بحكم التعريف، حسب الكتاب، ناتجة عن أزمة بناء دولة في بلد تعرض لغوائل التدخل العسكري الأجنبي.

وعندما حاولت القوى الخارجية تسليم مقاليد السلطة إلى عناصره الداخلية، أدى ذلك إلى انبعاث النوازع والمصالح الطائفية، وهي أمور تؤدي بحد ذاتها إلى توزّع وتشتت جهود «الدولة» اللازم توجيهها نحو إعادة البناء وتضميد الجراحات واستعادة اللُحمة الوطنية، ما يؤدي بدوره إلى استضعاف روح الإجماع الوطني، مفضياً بالنهاية إلى زعزعة الولاء من جانب المواطنين، وهو ما يبدد طرفيْ معادلة مشروعية الدولة كشرط لولاء مواطنيها، باعتبار ذلك هو المحور الأساسي الذي دارت عليه مقولات هذا الكتاب.