17 دقيقة تلف العالم بنغماتها

«بوليرو».. اللحن إسباني والنكهة فرنسية

bolero 1

«سهل ومباشر من غير أي محاولة لإثبات المهارة». تلك هي الكلمات القليلة التي عرف فيها المؤلف الفرنسي البارز موريس رافيل، عمله الاوركسترالي الأشهر (البوليرو) الذي يعد بحق.

واحداً من أجمل آثار الأدب الموسيقي، وأحد أشهر الأعمال الموسيقية الاوركسترالية على الإطلاق. وكان قد قال المؤلف الفرنسي لوران بوتيجيرار رئيس الجمعية الفرنسية للمؤلفين والناشرين الموسيقيين، إن هذا العمل الشهير، الذي ألفه موريس رافيل، والذي لا تتجاوز مدته الزمنية السبع عشرة دقيقة، يعزف مرة واحدة كل عشر دقائق في أنحاء المعمورة، أي إنه لم يتوقف ترديده منذ سنوات طوال وحتى هذه الوقت.

1928

في ربيع عام 1928، طلبت راقصة الباليه الروسية الشهيرة ايدا روبينشتاين، من صديقها المؤلف موريس رافيل توزيع موسيقى إحدى رقصات المؤلف الاسباني الشهير اسحاق البينيز، لتكون ضمن البرنامج التي ستقدمه خلال عرضها المقبل

. لكن رافيل قرر تأليف عمل خاص به يحمل لحنية اسبانية اندلسية، بدلاً عن توزيع قطع مولف آخر، وفعلاً، انهى رافيل العمل بسرعة كبيرة، وقدم الباليه في نوفمبرعام 1928. وحقق نجاحاً باهراً غير مسبوق، وانتشرت مدونة البوليرو الموسيقية بسرعة كبيرة في أنحاء المعمورة. فأصبحت تقدم بشكلها الموسيقي البحت، من دون الحاجة للباليه الراقص في أشهر قاعات الموسيقى في العالم.

دوران الألوان

يفتتح رافيل العمل بإيقاع صارم خافت للطبل العسكري الصغير، يستمر طوال العمل مكوناً أرضية عامة سترتفع فوقها كتلة موسيقية جبارة. فتغني آلة الفلوت النفخية بهدوء، لحناً آلياً بسيطاً لدناً، أندلسي الطابع، كثير التعرج ينتهي بنزعة غنائية عاطفية.

وينضم بعدها الفلوت للطبل العسكري في أداء الشكل الإيقاعي الأساسي، ويتنازل عن دوره في اللحن لآلة الكلارينيت التي تضفي على اللحن روحانية لونية أكثر شفافية، حتى دخول آلة الفاغوت الرمادية الهالة. وتتلاحق الألوان والآلات النفخية على تلوين اللحن وشحنه، فاتحاد آلتي الترومبيت النحاسية والفلوت يشكل تداخلاً متميزاً بين الغنائية واللمعان.

سابقة نادرة

وفي سابقة نادرة يدخل موريس رافيل العبقري، آلة الساكسفون (التي تستخدم عادة في موسيقى الجاز)، لغناء اللحن ليؤكد على دخول لونية جديدة أكثر شبهاً بالقرن العشرين وأحقية وضرورة دخول آلات جديدة على الاوركسترا السيمفونية الكلاسيكية.

تحول

وخلال كل هذا، يتطور دور الآلات الوترية شيئاً فشيئاً، من النقر المرافق الرقيق إلى مصاحبة الطبل العسكري بصخب أكبر، وهالة صوتية أكثر حدة، حتى يصل بنا المؤلف إلى ذروة العمل فنراه يستخدم توافقات صوتية آلية قاسية ثم يبرز تحول مقامي مفاجئ مؤثر، كومضة من الضوء الساطع، ولتهيمن على المستمع في نهاية العمل كتلة صوتية ضخمة مختلفة الألوان.

فتدخل الوتريات لتصدح باللحن الأساسي بخط متوازٍ مع الآلات الأخرى، لكن المؤلف يستمر بعملية الدوران اللحني. وتصدح آلات الترومبيت لتزداد قوة المشهد، ثم يستخدم آلة الترومبون النحاسية بشكل معبر وقوي جداً ونادر، رفقة «الزحلقة الصوتية»، ذاك كمؤثر خاص يعطي لوناً سحرياً خاصاً لنهاية هذا المخاض اللاهث.

أصالة أسلوبية

طاقة عملاقة تصدر عن هذا العمل هي نتاج نمو التواتر. وهناك التصاعد المدهش الذي يحلق ويخلق دوامات ضوئية من تناوب الآلات على متابعة اللحن، وتضعنا تحت تأثير تنويم مغناطيسي جزئي من جراء التكرار المستمر المتواصل للمرافقة الإيقاعية الدائمة والمادتين اللحنيتين على مدى هذا العمل الفريد الجميل، الدقيق الصناعة الذي يتميز بأصالة أسلوبه الاوركسترالي.

حيث إن التباين اللوني الجامح يلعب الدور الأساسي في توليفة العمل الدرامية، الأمر الذي دعا كل النقاد الموسيقيين لاعتبار مدونة رافيل هذه معجزة اوركسترالية حقيقية، حتى أولئك الذين شبهوا العمل بدوامات من الهلوسة المؤلمة أو (غزو لا يرحم من قوى الشر)، إذ شهدوا أن العمل يحمل قيمة موسيقية فذة.

حياة عبقري

ويرى كثير من النقاد والمتخصصين، أن هذا العمل، يعكس بروحيته وما أدخل عليه من إبداعات وتلوينات موسيقية، روحية إبداع وفكر موريس رافيل، والذي تبدو قصة حياته، حافلة بومض الإبداع المبكر. فهو مولود في عام 1875 في قرية سيبور الفرنسية. وكان قد بدأ دراسة العزف على البيانو والنظريات الموسيقية وهو في سن السابعة. ثم تابع تحصيله في المعهد الموسيقي في باريس عام 1889.

حيث حصل على وسام لبراعته في العزف على البيانو. ودرس علوم التأليف على يدي المؤلف الموسيقي الفرنسي غابرييل فوريه. كما تأثر أسلوبه بالموسيقي الروسي ريمكسي كورسكوف والمؤلف الفرنسي كلود ديبوسي.

ومن ثم حصل في عام 1928 على الدكتوراه الفخرية من جامعة أوكسفورد في إنجلترا.وإنما عاش فقط من أجل التأليف والإبداع الموسيقي، ولم يقبل أن يتتلمذ عليه أحد، ولم يعزف على البيانو سوى أعماله الشخصية.

«هذا جنون»

أثناء العروض الأولى للبوليرو، صرخت سيدة: هذا جنون. فأجاب رافيل: (هذه السيدة فهمت اللحن على الأقل).

1937

عانى مؤلف العمل، رافيل، في أواخر أيامه، من تلف في المخ بسبب حادث سيارة. وتوفي في باريس عام 1937.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات