«قصيد السعادة» موسيقى تحلّق بجناحي الفلسفة

صورة

تنطوي «قصيد السعادة»، السيمفونية الرابعة، أحد أشهر أعمال المؤلف الموسيقي الروسي الكسندر سكريابين على الإطلاق، على سمات وملامح تفرد كثيرة، ومن بينها طبيعة التأثير الذي تتركه وكونها سيمفونية من حركة واحدة ذات صبغة مرهفة أنيقة إلى أبعد الحدود، مع غطاء أوركسترالي فخم عملاق.

1872

ولد ألكسندر سكريابين في موسكو عام 1872، وتوفي هناك أيضاً سنة 1915، درس الموسيقى على يد سرغي تانييف وأنطون أرينسكي في كونسرفاتوار موسكو، حيث تخرج حائزاً الميدالية الذهبية الثانية بعد سرغي رخمانينوف.

واتسمت أعمال سكريابين الأولى بطابع غنائي لحني شاعري لتأثره بفريدريك شوبان، ثم راحت تبرز في موسيقاه عناصر أصالة واضحة ذات طابع ثوري قريب لأسلوب أرنولد شوينبرغ. ولكنه سرعان ما قدم نوعًا متطورًا من الموسيقى يحمل مفاهيم جديدة لحنية، ونظاما موسيقيا طليعيا ذا رنين متنافرا يظهر تعمقه الكبير في علم الفلسفة والفكر الصوفي.

فأصبح أقرب إلى المدرسة الرمزية التي غدا، سريعا، أهم فرسانها ورموزها. ويصنف النقاد الموسيقيون إبداعات سكريابين كونها الأبلغ تأثيراً والأقوى من بين مجموع الأعمال الموسيقية التي تدور في فلك الفلسفة والتأمل.

فكر ثر

أما الميزة الأبرز لإبداعات ألكسندر سكريابين فتكمن في الكثافة النوعية للتطور الروحي، فهو تعدى كونه عازف بيانو رائعا ومؤلفا مبدعا. إذ إنه فيلسوف حقيقي كون فكره الإنساني يتشرب أفكار فلاسفة من أمثال كانط وهيغيل. كما إنه شاعر مرهف عميق، وأظن أنه وضع مشروعاً متكاملاً للمزاوجة بين الشعر والموسيقى والألوان والرقص في سبيل خلق فن شمولي.

محطات نحو فرح الروح

سجل سكريابين في هذا القصيد الموسيقي الفلسفي إحدى عشرة محطة أو موضوعاً موسيقياً، وتشكل فيها مواضيع: الإرادة والبطولة والاعتراف بنجاح الذات، مكانة هامة ورئيسية بين الصور والأفكار الفلسفية التي أراد المؤلف نقلها. فبرنامج العمل مفسر بقدر كبير من التفصيل من قبل الملحن نفسه .

حيث إنه وضع بشكل واضح على مدونته الموسيقية أماكن محطات رحلته التي كانت في البداية مجموعة أشعار كتبها عام 1906، تحت العنوان نفسه، وتدور حول محطات طريقه إلى السعادة الفلسفية الروحية.

وقدم العمل للمرة الأولى في نيويورك عام 1908، أي بعد عام واحد من كتابته. وحقق نجاحاً كبيراً تحول بعده إلى واحد من أشهر الأعمال الموسيقية في القرن العشرين.

رحلة عبر الروح

اعتمد المؤلف لمقدمة القصيد مادة غنائية قصيرة تكرس فكرة الإنهاك والتعب من خلال إعادة اللحن ثلاث مرات، بنبرات آلية مختلفة اللون والدرامية، إلى أن يضع صوت آلة الترومبيت النحاسية نهاية لخوار القوى. ويبدأ ببث «فكرة الإرادة» بإيقاع حاسم وبقفزات صوتية حادة، معتمداً على أرضية متوترة لمجموعة الكمان.

لكن لحن آلة الكلارينيت الخشبية بغنائيته المعبرة يفسح المجال لظهور فكرة الأحلام أو الأمنيات التي تشكل بداية القسم الأهم في هذا العمل. ولكن الكلارينيت ما تلبث أن تغير لون فكرة الأماني والأحلام لتنتقل إلى لون جديد يعبر فكرة الثقة بالنفس، وتأكيد نجاح الذات الإنسانية.

الطيران التأملي

تسارع عجلة التطور الفكري والفلسفي الإنساني التي كانت تقود خطوات سكريابين في هذا العمل فأوصلته بعد الثقة بالنفس، إلى فكرة الطيران الفلسفي. إذ نسمع بداية تحليق آلة الفلوت النفخية ثم تطورها المتسارع لتعطي الراية لآلة الهورن التي تستمر بالطيران حتى نستطيع بالكاد سماع مداخلات الآلات أو الكائنات الأخرى التي بقيت على الأرض.

رحلة سكريابين نحو النشوة الفلسفية تصل بعد الطيران والتأمل إلى المرحلة الأجمل، وهي محطة بزوغ الإبداعات فيغني الكمان بنبل لحناً بطيئاً فيه روح جديدة النمط تشكل اتجاهاً لحنياً فريداً.

فجأة، تسود إيقاعات مثيرة للقلق مصدرها الآلات الإيقاعية والهورن، التي تفسح الطريق أمام آلة الترومبيت لتصل بنا إلى محطة الإرادة والإيمان بلحن جميل مليء بالكبرياء والتعالي حتى يصل إلى محطة تأكيد الاعتراف والثقة بالنفس التي تملأ الروح بالسعادة والرضا.

وتحت سيطرة هذه الروح الدافئة يحاول المؤلف تطوير فكرتي الإنهاك والإبداع بإيقاع حثيث حتى يصل بهما إلى أول ذروة حقيقية مؤثرة.

معركة

يركب المؤلف في رحلة قصيده موجة جديدة سريعة يتدافع خلالها حوار بين محطة تأكيد الاعتراف بالذات ومحطة الطيران والإبداع التي أخذت تفقد بالتدريج خفتها ورشاقتها الأولى، الأمر الذي يبعث شعورا مزعجا بالقلق والخوف عند الإنسان من فقد الإبداع، فيحاول سكريابين بث روح الثقة الذاتية.

ولكن إيقاعات القلق تحقق نصراً كبيراً في ذروة درامية موجعة. كما إن آلات الترومبون النحاسية تصدح بقوة بلحن مقاوم شجاع على خلفية لحن الطيران التأملي، يتبعه نزال قوي بين إيقاع القلق والخوف من الفشل وإيقاع الإرادة القوية.

يصل بنا إلى محطة الفرحة الممزوجة بروح الإبداع لتظهر في الأفق ألوان أوركسترالية أكثر إشراقاً تقودنا إلى السعادة المنشودة، أو المحطة الأهم في هذا العمل:

الثقة بالذات الإنسانية، وتأكيد حقيقة الثقة بقدرات العقل والروح البشرية. فنسمع خاتمة بطيئة مجلجلة تتكلل باتحاد وتناغم لون الإرادة وإيقاع القلق الابداعي ليظهر فكر إنساني جميل بهي ينضح بالإيجابية والثقة والنشوة بنجاح الذات الإنسانية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات