من فوارق الحياة أن لكل كيان نهاية، والبشر إلى زوال، هنا لا نريد الحديث عن البشر بقدر ما نتحدث عن إنجازاتهم، فلم تعد مجلة "الرسالة" ولا مجلة "المقطم"، ولا "حبزبوز" قد أنتهى دورها بانتهاء زمنها ولم تعد هذه المجلات قادرة على الحياة والاستمرارية لأن زمنها انتهى.
قبل سنوات توقفت مجلة "الدوحة" وهي تجربة متميزة للراحل رجاء النقاش إلا أن الفترة التي تعيشها قطر اليوم قد لا تتناسب ونهج وطبيعة المجلة وتوجهاتها.
بعدها أغلقت مصر مجلتها المعروفة "إبداع" التي كان يشرف عليها أحمد عبد المعطي حجازي لأن دورها انتهى وما عادت تستطيع أن تصمد أمام حركة إبداع الشباب، فما كان من الوزارة إلا أن اتخذت قرارها الحاسم وأغلقت إبداع، كما أُغلقت عشرات المجلات والدوريات في العديد من أركان العالم العربي، لأنها أصبحت عالة على طابعيها، وتكدست أعدادها دون أن تُقرأ أو يمكن أن يفكر القارئ باقتنائها ولو بالمجان.
مجلة "الآداب" البيروتية خير مثال على المستوى الثقافي، كما أن القائمين عليها كانوا من الشجاعة في اتخاذ قرار إيقاف صدورها.
كانت الآداب تشكل طليعة المجلات العربية وكنا نفخر بقراءتها، كما أن المجلة كانت الأساس في توصيل شاعرية عمالقة الشعر العربي في القرن العشرين للقارئ أمثال بدر شاكر السياب، ونزار قباني ، وصلاح عبد الصبور، والعديد من شعراء تلك المرحلة وكان قد أسسها الدكتور سيهل إدريس وظل حريصاً على إصدارها حتى في الحرب اللبنانية.. وكأنه مقاتل يصر ألا يتخلى عن بندقيته، إلا أن الموت غيب سهيل إدريس، وحاول ولده سماح إدريس أن يعيد تجربة والده لكنه فشل واضطر بشجاعة أن يعلن عن إغلاقها لأنه آمن بأنها ليست ابنة مرحلتها .. فهو ليس والده.. ولا هي تعبر عن جيله .. كانت الفجوة كبيرة بن إدارة سهيل إدريس وإدارة ولده سماح إدريس.. لذا كان قرار إغلاقها أرحم، وإكرام الميت دفنه.