خطورة الأيديولوجيا كمعيار في السياسات الخارجية مقارنة بالواقعية السياسية، تكمن أساساً في كون الأيديولوجيات السياسية تقود إلى دوغمائيات وثوابت تقيد المرونة في السياسة الخارجية للدول وتدفع نحو مواجهات، وبالتالي قد فقدت الدول الأيديولوجية فرصاً كثيرة في مجالات التعاون السياسي والاقتصادي مع الدول الصناعية والرأسمالية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، وانحازت بشكل رئيس إلى الاتحاد السوفيتي في الستينات والسبعينات، طبقاً لما ينبّه إليه مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، الدكتور غازي فيصل حسين، في تصريحات لـ«البيان»، تحدث خلالها عن مدى حضور الواقعية السياسية في اتجاهات السياسة الخارجية لدول منطقة الشرق الأوسط في ضوء المتغيرات العميقة الراهنة.
والذي اعتبر خلالها أن غالبية الدول العربية قبل أحداث ما سُمي بثورات «الربيع العربي»، كانت بشكل أو بآخر تستخدم الأيديولوجيات السياسية كمعيار، لم تكن الواقعية السياسية ماثلة فيه بشكل واضح، وكان الاتجاه السائد أن «الواقعية السياسية نوع من أنواع الاستسلام لسياسات القوى الكبرى والعولمة الاقتصادية والسياسية والأمنية.. وبالتالي لم تنظر تلك الدول إلى الواقعية السياسية نظرة إيجابية بمعنى: دبلوماسية تعكس المصالح المتبادلة لهذه الدول مع مختلف الدول في العالم».
على العكس من هذا الاتجاه الأيديولوجي السياسي، ذهبت دول الخليج -وفي القلب منها الإمارات والسعودية - نحو تبني الواقعية السياسية وعلاقات التعاون مع مختلف دول العالم الغربية والشرقية، طبقاً لمصالح هذه الدول؛ فدولة الإمارات، التي أحرزت تقدماً هائلاً خلال العقود الأخيرة، إنما يعكس ذلك التقدم هذه الواقعية التي هي ليست مبنية على أساس اتجاهات أيديولوجية إنما على العكس هي واقعية سياسية، أي دبلوماسية تكمن في الحفاظ على المصلحة الوطنية للدولة وتتجه لتبني وبناء علاقات اقتصادية كما في مجال الطاقة والبيئة بصورة واسعة النطاق.
السعودية على سبيل المثال لديها اليوم تحالف استراتيجي منذ نحو ما يصل إلى 80 عاماً مع الولايات المتحدة، لكنها -بفعل السياسة الواقعية- تبنت علاقات واسعة النطاق للتعاون في مجالات الطاقة والبيئة والتنمية وغير ذلك مع روسيا الاتحادية والصين وأوروبا ومختلف دول العالم، وهذا لا يعني أنها قامت بتقويض علاقات التحالف الاستراتيجي مع واشنطن، بل إنها تتبع واقعية سياسة حقيقية لضمان مصالح المملكة.
إضافة لما تقدم من نماذج اتبعت الواقعية السياسية، فقد لفت فيصل في تصريحه لـ«البيان» إلى المملكة المغربية والتي أخذت بمنهج الواقعية السياسية في علاقاتها الخارجية مع الدول الأفريقية ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بجانب الحفاظ على التنوع عبر تطوير العلاقات مع روسيا والصين وغيرها من الدول.
ولا تُنسى -اللحظة الفاصلة- المرتبطة بالسياسة الخارجية المصرية بعد حرب أكتوبر 1973 «قد اعتمدت الواقعية السياسية في دبلوماسية استعادة السيادة المصرية على سيناء وتحريرها من خلال المفاوضات واتفاقات السلام برعاية الولايات المتحدة في كامب ديفيد في عام 1979».
اقرأ ايضاً
الواقعية السياسية الجديدة.. آفاق واسعة في العلاقات الدولية تتجاوز الأيديولوجيا