تشهد تركيبة التفاعلات الإقليمية والدولية متغيرات جذرية، تفرض نفسها على النسق الدولي، تنطلق من «واقعية سياسية» جديدة، بالنظر إلى حجم التطورات المفصلية، التي يشهدها العالم والتحديات والتهديدات والمصالح المشتركة. تُنذر تلك المتغيرات بمستقبل مختلف للعلاقات الدولية، مبني على أساس «الفكر الواقعي».
لم ترتبط نشأة الفكر الواقعي في العلاقات الدولية بتاريخ محدد، وإنما مرت بمراحل تاريخية ممتدة، بدءاً من الفلسفة الإغريقية، عبر ثيوسيديدس، وحتى الآن، آخذة في التطور والتجدد بنظرياتها المختلفة من الواقعية الكلاسيكية والكلاسيكية الحديثة، وصولاً إلى الواقعية الهجومية والدفاعية، والواقعية الجديدة.
والواقعية السياسية الجديدة هي واحدة من النظريات والمناهج الأساسية في العلاقات الدولية، تتبنى سياسات مرنة موضوعية، تضمن حماية الأمن القومي للدول ومصالحها الخاصة، والمصالح بين الدول في الأمن والاستقرار والتنمية، استناداً لرؤى عقلانية، تستهدف ضمان المصالح المتبادلة على الصعد كافة بعيداً عن الدوغمائية والأيديولوجيات السياسية.
ومع قدم الجذور الفكرية للفلسفة السياسية الواقعية إلا أن علماء السياسة يعزون بداية نشأتها الحقيقية بأطرها الماثلة في العلاقات الدولية إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وكان التأصيل الحقيقي للنظرية الواقعية التقليدية، من خلال العالم في جامعة شيكاغو صاحب كتاب «السياسة بين الأمم» هانز مورجانثاو، وذلك بعد ما برز تيار «المثالية» في أعقاب الحرب العالمية الأولى، مفضياً إلى قيام عصبة الأمم عقب مؤتمر باريس للسلام.
وقد طرح كينيث والتز «الواقعية الجديدة» أو «الواقعية البنيوية» في عام 1979، عبر كتابه «نظرية السياسة الدولية»، والتي تعيد صياغة الواقعية التقليدية.
وقادت الحرب العالمية الثانية إلى تحول استراتيجي لجهة ترجيح كفة الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية. الصدام المستمر بين تياري المثالية (نظرية الليبرالية) والواقعية السياسية، كان في ذروته في تلك الفترة.
أصول المفهوم
لكن الأكاديمي الأمريكي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هاملتون في نيويورك، آلان كفروني، يعتقد أنه «رغم أن ظهور مفاهيم الواقعية والمثالية بشكل قوي في العلاقات الدولية كان في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن أصول تلك المفاهيم تعود إلى الحرب والدبلوماسية في القرن التاسع عشر».
وفي حديث أدلى به كفروني لـ«البيان»، استدل الأكاديمي الأمريكي بعدة شواهد أبرز من خلالها هيمنة تيار المثالية قبل الحرب العالمية الثانية، من بينها حرب القرم الأولى (1853 - 1856) والتي كانت مبررة لدى كل من فرنسا وبريطانيا على أساس حماية حقوق الإنسان (اتساقاً مع الإطار المثالي في العلاقات الدولية)، ذلك رغم أن هذه الحرب عبرت عن قوة واهتمام هذين البلدين ومصالحهما.
كما تم تقنين المثالية بشكل أكثر رسمية في تبرير الرئيس الأمريكي الأسبق وودرو ويلسون للحرب العالمية الأولى: «جعل العالم آمناً للديمقراطية».
بينما الواقعية تأتي على النقيض من ذلك؛ لجهة اعتمادها على أن السياسات الخارجية يجب أن تقوم على اعتبارات القوة ومصلحة الأمن القومي، وهنا يأخذنا الأكاديمي الأمريكي المختص بالعلاقات الدولية إلى محطات بارزة لهيمنة التيار الواقعي بالسياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، معتبراً أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر قد أعاد صياغة مقولة رئيس الوزراء البريطاني في القرن التاسع عشر اللورد بالمرستون، بالتأكيد على أن «الولايات المتحدة ليس لديها أصدقاء أو أعداء دائمون.. فقط مصالح».
السياسة الأمريكية
وبينما تتقاذف سياستا أو تيارا الواقعية والمثالية السياسة الخارجية الأمريكية، ارتبطت السياسة الواقعية في الولايات المتحدة بكسينجر؛ فقد طبقها خلال توليه مهامه كمستشار للأمن القومي في عام 1969، ثم كوزير للخارجية من 1973 إلى 1977 خلال عهد الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد.
تمثل ذلك بشكل مباشر في زيارة نيكسون إلى الصين في عام 1972، وهي الزيارة التي مثلت آنذاك فتح صفحة جديدة للعلاقات بين البلدين- من منظور الواقعية السياسية- بعد قطع العلاقات منذ الحرب الكورية ودعم واشنطن لتايوان، وكذلك الدعم الصيني السوفيتي لفيتنام، بما أسهم في توتر العلاقات بين البلدين.
ولاحقاً بعد ذلك يمكن النظر إلى الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى كوبا في العام 2016 كأول زيارة لرئيس أمريكي منذ 88 عاماً حينها، باعتبارها تعبيراً عن نفس النهج الواقعي، على غرار خطوة نيكسون مع الصين التي سبقتها بـ 44 عاماً.
وبالعودة إلى النقاش الذي دار مع أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هاملتون في نيويورك، بعد زيارة الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن إلى المملكة العربية السعودية، يواصل الأكاديمي الأمريكي حديثه عن ارتباط السياسة الخارجية الأمريكية بالواقعية السياسية بشكل أكبر، بالتطبيق على التحركات الحالية للإدارة الأمريكية، ومن بينها زيارة بايدن إلى المملكة ولقائه تحديداً مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، على النقيض من مواقفه السابقة، والتي جعلت من زيارته إلى المملكة خطوة ذات دلالات واسعة وعميقة إزاء توجهات ونهج السياسة الخارجية، في ظل المتغيرات الراهنة على الصعيد الدولي، لا سيما في ضوء الحرب في أوكرانيا وانعكاساتها واسعة المدى، وذلك بعدما غيرت هذه الحرب بعضاً من الموازين حول العالم، وشرعت في إظهار تحالفات جديدة، مع توسعة وتقوية حلف الشمال الأطلسي(الناتو).
جذور الواقعية الأمريكية
يرجع كفروني تلك الخطوات الأمريكية إلى نظرية «الواقعية» في علاقات الولايات المتحدة الخارجية، بما في ذلك علاقات واشنطن ومواقفها إزاء دول منطقة الشرق الأوسط، موضحاً على سبيل المثال أنه «منذ أن التقى الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت بمؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز آل سعود في عام 1945 (وهو اللقاء، الذي يوصف بأنه وضع حجر الأساس للعلاقات التقليدية الوثيقة بين البلدين) كانت العلاقة الأمريكية- السعودية قائمة في الأساس على المصالح المشتركة النفط والأمن (بمبدأ الواقعية السياسية)»، وليست قائمة على ملفات أخرى من منطلق المثالية السياسية.
وبينما تحدث كفروني في حديثه مع «البيان» حول الزيارة الأخيرة للرئيس الأمريكي إلى المملكة العربية السعودية في ضوء المستجدات على الصعيدين الإقليمي والدولي، والتي تحكمها استراتيجيات الواقعية السياسية، فإن نقاشاً آخر أجرته «البيان» مع ديفيد بولوك، وهو زميل أقدم في معهد واشنطن، كان قد عمل كمستشار رفيع المستوى في مشروع «الشرق الأوسط الكبير» بوزارة الخارجية الأمريكية في عام 2002، تطرق إلى تطبيقات الواقعية السياسية في منطقة الشرق الأوسط، سواء لجهة اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية وكذلك لجهة الاتجاهات الواقعية لسياسات دول المنطقة.
بولوك، الذي عمل كمحاضر زائر بجامعة هارفارد ومدرس مساعد بجامعة جورجتاون، يعتقد أن «السياسات الغربية والأمريكية لطالما كانت مزيجاً من الواقعية والمثالية، والآن الواقعية تتجه نحو تركيز أقل على منطقة الشرق الأوسط وأكثر على أوروبا وآسيا. فلن نغادر الشرق الأوسط، ولكننا نحاول مساعدته على أن يصبح أكثر اعتماداً على النفس وأقل تدميراً للذات»، على حد قوله.
بموازاة ذلك، يرى المحلل السياسي الأمريكي أن السياسة الخارجية لدول الشرق الأوسط، لا سيما الدول الكبرى، تتجه إلى حد ما نحو مسارات أكثر ميلاً للواقعية السياسية، وهو ما يبرز بشكل واضح في إطار اتفاقات السلام العربية الأخيرة مع إسرائيل في العام 2020.
عبرت تلك الاتفاقات على نهج الواقعية السياسية الجريء، وهو ما عبر عنه حينها معالي الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة (وزير الدولة للشؤون الخارجية آنذاك)، والذي اعتبر أن السلام مع إسرائيل «يعبر عن واقعية نحن في أمس الحاجة لها»، وأن القرار جاء «ضمن رؤية استراتيجية تجمع بين الواقعية السياسية واستشراف جريء للمستقبل». يعلق بولوك: «هناك فوائد دبلوماسية واقتصادية وأمنية لعديد من الدول العربية وغيرها من السلام، وللفلسطينيين أيضاً».
متغيرات إقليمية ودولية
كما تبرز أهمية الاتجاه الواقعي في سياسات عديد من دول منطقة الشرق الأوسط الخارجية، ليس فقط في إطار الموقف من السلام مع إسرائيل، ضمن جملة المتغيرات الدولية التي تقود إلى مقاربات جديدة مبنية على أساس واقعي في عديد من الملفات، من بينها على سبيل المثال الملف السوري وما حملته من دلالات أكثر واقعية لجهة استعادة سوريا للنسق الإقليمي العربي.
«الرئيس السوري بشار الأسد هو أيضاً حقيقة واقعية»، كما يقول ديفيد بولوك، في تعليقه على هذا المسلك الواقعي، بينما الخلاف على مدى الفوائد الناجمة عن قبوله. في حالة سوريا، هناك اتجاه بطيء لإعادة العلاقات الدبلوماسية والتعاون مع الحكومة في دمشق.
يمكن اعتبار هذا نهجاً واقعياً؛ لأن الرئيس بشار الأسد لا يزال في السلطة بعد أكثر من 11 عاماً من الحرب. لم يخسر الحرب. «كان من الواقعي الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية والحوار مع الأسد، بدلاً من قطع هذه العلاقات ومحاولة الإطاحة به عسكرياً.
الحوار الفاشل أفضل من الحرب الفاشلة»، على حد تعبير المؤرخ والدبلوماسي الهولندي، الذي عمل لسنوات في منطقة الشرق الأوسط نيكولاس فان دام، والذي نستعرض تفاصيل رؤيته حول الواقعية السياسية في الشرق الأوسط لاحقاً.
من بين شواهد الاتجاه الواقعي ردات فعل دول الشرق الأوسط أيضاً على العملية الروسية في أوكرانيا، وتبعاتها المزلزلة على أكثر من صعيد، ومن بينها مواقف عربية مؤكدة السيادة الوطنية واستقلالية القرار، لا سيما في ما يتعلق بملف الطاقة، في وقت تواجه فيه أوروبا أزمة غير مسبوقة.
والعملية الروسية وتبعاتها المختلفة هي أيضاً حقيقة واقعة «لكننا جميعاً ندفع الثمن» كما يقول بولوك، مردفاً: «إذا كان ذلك (الواقعية السياسية) يعني التخلي عن المبادئ مثل السلام والسيادة الوطنية واحترام المعاهدات والاتفاقات، فهي فكرة رهيبة بشكل مأساوي، لأننا جميعاً ندفع الثمن».
يتزامن ذلك ومتغيرات عميقة في بنية النسق الدولي تنعكس مباشرة على العلاقات الدولية والسياسات الخارجية للدول، في وقت بدا فيه واضحاً الاتجاه نحو التخلي عن الأيديولوجيات السياسية كمعيار في العلاقات الدولية، وهو الاتجاه الذي ساد لعقود في عديد من تلك الدول بمنطقة الشرق الأوسط، لا سيما إبان فترة الستينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي.
اقرأ ايضاً
في عالم الواقع لا فرصة للدول الأيديولوجية




